تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 135

مساهمون:

ص١٣٥
أعني صوت الزّمر والبوق ، تشبه أصوات الأحجار والمعادن ، إذا نقره المحرّك كان له دوي وطنين يمكث في الهواء ممتدّا لا ينقطع إلى أن يسكن ، لا تقطيع فيه من أصوات الحيوانات مثل أصوات الزنابير وما شاكلها . فأما أصوات ذوات الأوتار ، وما يستعمل منها في أنواع الأغاني بحركات اليدين موازية لحركة اللسان والإيقاع ، مستوي اللحن ، صحيح الوزن ، وما كان بخلاف ذلك ، كان مناسبا لأصوات الطيور الثّقال الطبع كالإوزّ وما جانسها ، وككلام الثقيل الكلام من الناس ، ويكون ذلك لفساد الحركة وبعدها من النّسبة الفاضلة ، كما عجزت هيولى الإنسان عن قبول ما جعل فيها . وعجزها بإظهارها إياه من القوة إلى الفعل ، وكان ذلك عجزا من المصنوع لا من الصانع ، كما أن صانع العود ، إذا أحكم صنعته وشدّ أوتاره وأصلح مضاربه ، وأخذه من لا يعرف الصناعة ، ولا يحسن العمل به فنقره ، فإنه لا يأتي من تصويته مثل ما يأتي به العارف بعلمه وصنعته ، ولا ينسب ذلك إلى فساد في الآلة وإلى فساد من الصانع ، وإنما ينسب إلى عجز المحرّك . فإذا رأيت آلة العود مفردة ، والأوتار مقطعة ، وحركة الحاذق بالصناعة لم تساعده على ما يريد بإظهار صناعته ، فليس ذلك منسوبا إلى عجزه فيه ، ولكن إلى عجز الآلة ونقصانها عن التمام . فمن كلا الوجهين الصانع بريء من العجز ، إذا كانت صنعة الأشياء على النّسبة الفاضلة ، وقصده في صنعته الإتقان والإحكام . وإنما حدث النّقص والفساد من جهة الهيولى ، كما أن المعلم إنما غرضه أن يعلّم تلميذه ما يحسنه ، حتى يكون حاذقا فيه ، فيكون مثله وحافظا لعلمه . فإذا لم يقبل المتعلم منه وأخذ ألفاظا مستوية فأحالها عن وجهها ، فليس ذلك منسوبا إلى المعلم ، لكن إلى عجز المتعلم عن البلوغ إلى ما يعلّمه الأستاذ دفعة واحدة ، لا بالتدريج ليعرف الشيء بعد الشيء .