تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 98

مساهمون:

ص٩٨
حرارتها في الشتاء ، وبردها في الصيف ، وما كان على حالة واحدة في جميع الأوقات ، فهي بحسب اختلاف ترب بقاعها ، وتغييرات أهويّة مكانها والعوارض التي تعرض لها ، ونحتاج إلى أن نذكر طرفا من عللها ليكون قياسا على البقية الباقية فنقول : أما علّة حرارة مياه أكثر العيون في الشتاء ، وبردها في الصيف ، فهي من أجل كون الحرارة والبرودة ضدين لا يجتمعان في مكان واحد ، فإذا جاء الشتاء وبرد الجوّ ، فرّت الحرارة فاستجنّت في باطن الأرض ، فسخنت تلك المياه التي في باطنها وعمقها ، فإذا جاء الصيف وحمي الجوّ ، فرّت البرودة واستجنّت في باطن الأرض ، وبردت تلك المياه التي في باطنها وعمقها . وأما علّة حرارة بعض العيون في الشتاء والصيف على حالة واحدة فهي أن في باطن الأرض وكهوف الجبال مواضع تربتها كبريتية ، فتصير تلك الرطوبات التي تنصبّ هناك دهنيّة ، وتكون الحرارة فيها الحرارة راسية دائمة ، بينها أو فوقها مياه في جداول وعروق نافذة ، فتسخن تلك المياه بمرورها هناك وجوازها عليها ، ثم تخرج وتجري على وجه الأرض وهي حارّة حامية ، فإذا أصابها نسيم الهواء وبرد الجوّ بردت ، وربما جمدت ، إذا كانت غليظة ، وانعقدت وصارت زئبقا ، أو رصاصا ، أو قيرا « 1 » ، أو نفطا ، أو ملحا ، أو كبريتا ، أو بورقا ، أو شبّا ، أو ما شاكل ذلك بحسب اختلاف ترب البقاع وتغييرات الأهوية . وأمّا علّة ملوحة مياه عامّة البحار فهي بعناية من الباري ، جل ثناؤه ، وحكمة إلهية ، لما فيه من الصلاح الكلّيّ والنفع العام ؛ وذلك أن البخارات المتصاعدة منها في الجو ، إذا اختلطت أجزاؤها مع الهواء ، وتموّجت إلى الجهات ، دبغتها وملّحتها ، ومنعتها من العفن والتغيير والفساد ، فلولا ذلك لهلكت الحيوان المستنشقة للهواء ، دفعة واحدة ، وهكذا أيضا تمتنع ملوحة مياه البحار من أن تأسن أو تتغيّر ، فيكون
هامش
( 1 ) القير : الزفت .