تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
والغروس والنبات بلدانا وقرى ومدنا يسكنها الناس . واعلم يا أخي أن هذه البحار التي ذكرنا أنها كالمستنقعات على وجه الأرض ، وبينها جبال شامخة وهي كالمسنّيات لها ، وهي متصلة بعضها ببعض ، إما بخلجان بينها على ظاهر الأرض ، وإما بمنافذ لها وعروق في باطن الأرض ، وأن في وسط هذه البحار جزائر كثيرة صغارا وكبارا ، وأنهارا ؛ ومنها عامرة بالناس فيها مزارع وقرى ومدن وممالك . ومنها براريّ وقفار فيها جبال وآجام تسكنها سباع ووحوش وأنعام وأنواع من الحيوانات لا يعلم كثرتها إلّا اللّه . وفي وسط تلك الجزائر بحيرات صغار وكبار ، وأنهار وغدران وآجام . ومنها ما مياهها عذبة ، ومنها مالحة شديدة الملوحة ، ومنها دون ذلك مختلفة أحوالها وأوصافها ، فلنذكر طرفا من عللها ليعلم حقيقة ما قلنا وصحة ما وصفنا : أما علّة هيجان البحار ، وارتفاع مياهها ، وبروزها على سواحلها ، وشدّة تلاطم أمواجها ، وهبوب الرياح في وقت هيجانها إلى الجهات الخمس في أوقات مختلفة من الشتاء والصيف والربيع والخريف ، أوائل الشهور وأواخرها ، وساعات الليل والنهار ، فهي من أجل أن مياهها إذا حميت في قرارها وسخنت لطفت وتحلّلت وطلبت مكانا أوسع مما كانت فيه قبل ، فيتدافع فيه بعض أجزائها إلى الجهات الخمس فوقا وشرقا وجنوبا وشمالا وغربا للاتساع ، فيكون في الوقت الواحد على سواحلها رياح مختلفة في جهات مختلفة . وأما علّة هيجانها في وقت دون وقت فهو بحسب شكل الفلك ومطارح شعاعاته على سطوح تلك البحار من الآفاق ، والأوتاد الأربعة ، واتصالات القمر بها عند حلوله في منازله الثمانية والعشرين ، كما هو مذكور في كتب أحكام النجوم . وأما علّة مدود بعض البحار في وقت طلوعات القمر ومغيبه دون غيرها من البحار فهي من أجل أن تلك البحار في قرارها صخور صلبة ، فإذا أشرق القمر على سطح ذلك البحر ،