ذلك هلاك حيوان البحر جملة واحدة . ولهذه العلّة أيضا شدّة أمواج البحار في أكثر الأوقات ، يختلط أعلاها بأسفلها ، وأسفلها بأعلاها ، لئلا تغلظ بطول الوقوف غلظا شديدا ، أو تجمد ، فتكون أرضا كلها . ولهذه العلّة أيضا إشراق الشمس والكواكب عليها ، وتسخينها لها ، ومنعها من أن تغلظ وتجمد ، وكذلك تفعل بالهواء والجو أيضا ، وذلك أنه لولا مطارح شعاعات الكواكب بالليل ، لجمد الهواء في المواضع التي لا يطلع عليها الشمس والقمر زمانا كالتي تحت قطب الشمال والجنوب جميعا . وأمّا عفوصة مياه بعض العيون فلأنها تجري إليها من مواضع تربها مياه زاجيّة « 1 » ، وهكذا حكم ما كان طعمه كبريتيّا أو نفطيّا .
واعلم أن في بعض المواضع يرى من بعيد ، على رؤوس الجبال وبطون الأودية ، نيران وضياء بالليل والنهار ، ودخان معتكر ساطع في الهواء ومرتفع في الجو ، وعلّته أن في جوف الجبال كهوفا ومغارات وأهويّة حارّة ملتهبة تجري إليها مياه كبريتيّة أو نفطيّة دهنيّة ، فتكون مادّة لها دائمة ، وهي مثل التي بجزيرة صقلّية وبجبل مزمهر من خوزستان ، وفي بعض المواضع جبال تهبّ عليها رياح ليّنة دائما ، وجبال تهبّ عليها رياح باردة في أوقات مختلفة ، وهي الجبال التي تكون عليها الثلوج عند ذوبانها ، وذلك أنه يتحلّل من تلك الرطوبات أجزاء لطيفة تصير بخارا ، وترتفع في الهواء ، فيدفعها إلى الجهات الخمس ، أو إلى جهة دون جهة ، مثل ما يهبّ من جبل الثلج الذي بدمشق ، والذي ببلاد داور من جبال غور ، وجبل دوماند وما شاكلها من الجبال .
فأما الجبال التي تهبّ منها رياح ليّنة في دائم الأوقات ، فمثل التي ببلاد باميان ، وذلك أن هذا الجبل تخرج من أسفله عيون كثيرة ، وحوله مروج
هامش
( 1 ) زاجية : نسبة إلى الزاج ، وهو ملح معدنى .