جملته أربعة أرباع ، كلّ ربع منها موصوف بأربعة أنواع ، فمنها مواضع براريّ وقفار وفلوات وخراب . ومنها مواضع البحار والأنهار والآجام والغدران . ومنها مواضع الجبال والتلال والارتفاع والانخفاض . ومنها مواضع المراعي والقرى والمدن والعمران .
واعلم يا أخي أن هذه المواضع تتغيّر وتتبدّل على طول الدّهور والأزمان ، وتصير مواضع الجبال براريّ وفلوات ، وتصير مواضع البراري بحارا وغدرانا وأنهارا ، وتصير مواضع البحار جبالا وتلالا وسباخا وآجاما ورمالا ، وتصير مواضع العمران خرابا ، ومواضع الخراب عمرانا ، فوجب أن نذكر طرفا من هذه الأوصاف ، إذ كان هذا الفنّ من العلوم الغريبة البعيدة عن أفكار كثير من أهل العلم المرتاضين ، فضلا عن غيرهم .
واعلم بأن في كل ثلاثة آلاف سنة تنتقل الكواكب الثابتة ، وأوجات الكواكب السيارة وجوزهراتها « 1 » في البروج ودرجاتها . وفي كل تسعة آلاف سنة تنتقل إلى ربع من أرباع الفلك . وفي كل ستّة وثلاثين ألف سنة تدور في البروج الاثني عشر دورة واحدة . فبهذا السبب تختلف مسامتات الكواكب ومطارح شعاعاتها على بقاع الأرض وأهوية البلاد ، ويختلف تعاقب الليل والنهار والشتاء والصيف عليها ، إما باعتدال واستواء ، أو بزيادة ونقص وإفراط من الحرارات والبرودات ، واعتدال منهما . وتكون هذه أسبابا وعللا لاختلاف أحوال الأرباع من الأرض ، وتغييرات أهوية البلاد والبقاع وتبديلها بالصفات من حال إلى حال .
ويعرف حقيقة ما قلنا الناظرون في علم المجسطي وعلوم الطبيعيّات ، فتصير بهذه العلل والأسباب مواضع العمران خرابا ، ومواضع الخراب عمرانا ، ومواضع البراري بحارا ، ومواضع البحار براري وجبالا . ويعرف
هامش
( 1 ) الجوزهرات : جمع الجوزهر ، وهو من منازل القمر .