حقيقة ما قلناه وصحة ما ذكرناه الناظرون في علم الطبيعيّات والإلهيات ، الباحثون عن علل الكائنات الفاسدات التي تحت مقعد فلك القمر وكيفيّة تغييراتها ، ولكن نريد أن نصف طرفا من كيفيّة تكوين الجبال في البحار ، وكيف يصير الطين الليّن أحجارا ، وكيف تنكسر الأحجار فتصير منها « 1 » حصى ورملا ، وكيف تحملها سيول الأمطار إلى البحار في جريان الأودية والأنهار ، وكيف ينعقد من ذلك الطين والرمال في قعور البحار حجارة وجبالا .
واعلم يا أخي أن البحار هي كالمستنقعات على وجه الأرض ، فإن الجبال منها كالمسنّيات « 2 » والبريدات « 3 » لها لتفصل البحار بعضها من بعض ، ولئلا يكون وجه الأرض كلّه مغطّى بالماء ، وذلك أنه لو تكن الجبال على وجه الأرض ، وكان وجهها مستديرا ملسا ، لكانت مياه البحار تنبسط على وجهها وتغطّيها من جميع جهاتها ، وتحيط بها كإحاطة كرة الهواء بالأرض كلّها ، وكان وجه الأرض كلّه بحرا واحدا ، ولكن العناية الإلهية والحكمة الربّانيّة قد قضت أن يكون وجه الأرض بعضه مكشوفا ليكون مسكنا لحيوان البرّ ، وبعضه لمنابت العشب والأشجار والزروع ، إذ كانت هذه غذاء الحيوانات ومادة لأجسادها « ذلك تقدير العزيز العليم » .
واعلم يا أخي أن الأودية والأنهار كلّها تبتدئ من الجبال والتّلال ، وتمرّ في مسيلها وجريانها نحو البحار والآجام والغدران ، وأن الجبال من شدة إشراق الشمس والقمر والكواكب عليها بطول الأزمان والدهور ، تنشف رطوباتها ، وتزداد جفافا ويبسا ، وتنقطع وتنكسر ، وخاصّة عند انقضاض الصواعق ، وتصير أحجارا وصخورا أو حصى ورمالا . ثم إن
هامش
( 1 ) منها : أي من العلل أو التغييرات .
( 2 ) المسنيات : جمع المسناة ، وهي ما يبني للسيل ليرد الماء .
( 3 ) البريدات : جمع البريد ، اي الحاجز الثابت .