بعقولهم ، وتصفحوا تصرف أشخاص كلياته ببصائرهم ، واعتبروا فنون جزئياته برويّتهم ، فلم يجدوا جزءا من جميع أجزائه أتم بنية ، ولا أكمل صورة ، ولا بجملته أشدّ تشبيها من الإنسان . وذلك أنه لما كان الإنسان هو جملة مجموعة من جسد جسماني ونفس روحانية ، وجدوا في هيئة بنية جسده مثالات لجميع الموجودات التي في العالم الجسماني من عجائب تركيب أفلاكه ، وأقسام أبراجه ، وحركات كواكبه ، وتركيب أركانه وأمهاته ، واختلاف جواهر معادنه ، وفنون أشكال نباته ، وغرائب هياكل حيواناته .
ووجدوا أيضا لأصناف الخلائق الروحانيين من الملائكة والجن والإنس والشياطين ، ونفوس سائر الحيوانات ، وتصرف أحوالها في العالم ، تشبيها من النفس الإنسانية وسريان قواها في بنية الجسد .
فلما تبينت لهم هذه الأمور عن صور الإنسان ، سمّوه من أجل ذلك عالما صغيرا . ونريد أن نذكر من تلك المثالات وتلك التشبيهات طرفا لكيما يكون دليلا على صحة ما قالوه ، وبيانا لما وصفوه ، وليقرب أيضا على المتعلمين فهمها ، ويسهل على الباحثين تأمّلها .
فصل في اعتبار أحوال الانسان بأحوال الموجودات حسب ما نبين هاهنا
فنقول : إن الموجودات لما كانت كلّها جواهر وأعراضا مجموعا منهما هيولى وصورا ، ومركبا منهما ، كما بينّا في رسالة الهيولى ، وكانت الأعراض كلها جسمانية أو روحانية ، كما بيّنا في رسالة العقل والمعقول .
وكان الإنسان إنما هو جملة مجموعة من جوهرين مقرونين ، أحدهما هذا الجسد الجسمانيّ الطويل العريض العميق المدرك بطريق الحواس ، والآخر هذه النفس الروحانية العلامة المدركة بطريق العقل .