تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
ونواهيه ، وفي طول عمره الطبيعي مدة ما ، إنما هو لأن تتمّ فضائل النفس ، وتستكمل أخلاقها المختلفة ، ومعارفها الربّانية بالتأمل والبحث في النظر ، والسعي والاجتهاد في العمل ، كما ذكر في حدّ الفلسفة أنها التشبه بالإله بحسب طاقة الإنسانية ، أو بما رسم في الناموس من الوصايا والأوامر والنواهي ، كلّ ذلك لكيما تستكمل النفس فضائل الملائكة فيها . والغرض من هذا كله هو أن يمكنها ويتهيأ لها الصعود إلى عالم الأفلاك ، والدخول في سعة السماوات ، والكون هناك مع أبناء جنسها وأهل ملّتها من القرون الخالية الذين مضوا على سنن الديانات النبوية ، والمناجاة الفلسفية الحكمية ، والآداب الملكوتية ، واللحوق بهم في درجاتهم ، والمكث هناك متنعمة متلذذة فرحة مسرورة أبد الآبدين ودهر الداهرين مع النبيّين والصّديقين والشهداء والصالحين ، وحسن أولئك رفيقا ، وإليهم أشار بقوله سبحانه :
« وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ ، لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ . »

فصل

اعلم يا أخي أن اللّه ، جلّ ثناؤه ، لما علم بأن أكثر الناس لا يعيشون أعمارا طبيعية على التمام ، ولا يتركون في الدنيا زمانا طويلا تهذّب فيه نفوسهم ، وتستكمل فضائلهم ، لطف بهم من أجل ذلك ، وبعث إليهم الأنبياء والرسل واضعي النواميس بالوصايا والأوامر والنواهي والسّنن الزكيّة والشرائع المرضيّة ، إذا استعملوها على نحو ما رسم لهم من السيرة العادلة ، استتمّت فضائل نفوسهم ، وتهذّبت أخلاقهم ، وإن كانوا قصيري الأعمار ، كما ذكر اللّه تعالى فقال :
« وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً »