تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 412

مساهمون:

ص٤١٢
مثال ذلك إذا رأى الإنسان السّراب ، فظنّ أنه الماء ، فليست الباصرة هي المخطئة ، ولكن المفكّرة حكمت بأن ذلك المتلوّن يناله اللمس والذوق ، وهو جسم سيّال رطب ، فلما جاءه لم يجده بهذا الوصف ، فبان خطؤها . فسبيل المفكّرة إذا أدّت إليها المتخيّلة أثر حاسة واحدة ، الّا تحكم أو تستخبر حاسة أخرى . فإن شهدت لها ، حكمت عند ذلك بأنها كيت وكيت . مثال ذلك إذا رأت الباصرة تفاحة معمولة من الكافور ، مصبوغة كلون التفاح ، فأوردت خبرها إلى المتخيّلة ، فأوردتها هي إلى المفكّرة ، فليس سبيلها أن تحكم أن طعمها ورائحتها وملمسها مثل التفاحة التي هي الثمرة ، أو تستخبر قوّة الذائقة والشامّة واللامسة . فإذا أخبرت كل واحدة منها بما لها أن تخبر به ، حكمت عند ذلك المفكّرة بأنها كيت وكيت ، حتى يكون حكمها صوابا لا خطأ فيه . ثم اعلم أن من أجل هذه العلّة منعت القوّة الناطقة أن تعبر على ألسنة الأطفال حكم شيء من معاني المحسوسات ، لأن المفكّرة بعد لم تحكم معانيها ، ولم تميزها تمييزا صحيحا . فإذا مضت سنون التربية ودفع القمر التدبير إلى عطارد صاحب المنطق والتمييز ، أطلق لسان المولود بالعبارة والبيان عن معاني المحسوسات التي أدّت الحاسّة إلى المفكّرة .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 412 | إخوان الصفاء