تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 409

مساهمون:

ص٤٠٩
الجسد ، وينسلان منها بلا زمان ، ولكن الضوء إذا سرى في الأجسام المشفة حمل معه ألوان الأجسام وأوصافها التي تقدم ذكرها حملا روحانيّا ، وحفظها بهيأتها ، حتى لا يختلط بعضها ببعض ، فيفسد هيأتها ، كما حمل الهواء الأصوات بهيأتها ، كما وصفنا قبل ، حتى يبلغها إلى أقصى مدى غاياتها عند القوة الباصرة المستبطنة في الرطوبة الجليدية التي في الحدقتين . ثم اعلم أن الحدقتين هما من أحد الأجسام المشفّة ، وهما مرآتا الجسد . وذلك أنهما رطوبتان مغطاتان بغشاءين شفافين ، وهما غشاء القرنيّة « 1 » ، ويعرف هذا الأصل من كان خبيرا بصناعة الطب . فإذا سرى الضوء في الأجسام المشفّة ، وحمل معه ألوان الأجسام الحاضرة ، واتصل بحدقتي الحيوان الحاضرة هناك ، وسرى فيهما كسريانه في سائر الأجسام المشفّة ، انطبعت الجليدية بتلك الألوان ، كما ينطبع الهواء بالضياء ، فعند ذلك تحس القوّة الباصرة بذلك التغيير ، فتؤدّي خبره إلى القوة المتخيلة ، كما تؤدي سائر القوى الحسّاسة أخبار محسوساتها . ومن يتعجب من وصفنا كيفية حمل الألوان أشكال الأجسام حملا روحانيّا ، وكيفية حمل الهواء الأصوات أيضا مثل ذلك ، فلا ينبغي أن ينكرها من أجل أنه لا يتصوّرها . فإنّ حمل القوى الحسّاسة صور المحسوسات أعجب وأشدّ روحانية . وقد بينّا ذلك في رسالة العقل والمعقول وكيفيتها . وقد ظن كثير من أهل العلم أن إدراك البصر المبصرات إنما يكون بشعاعين يخرجان من العينين ، وينفذان في الهواء ولي الأجسام المشفّة ، ويدركان هذه المبصرات . وهذا ظنّ من لا رياضة له بالأمور الروحانية ، ولا بالأمور الطبيعية ، ولو ارتاض فيها ، لبان له صحة ما قلنا ووصفنا .
هامش
( 1 ) القرنية : هي الطبقة القرنية في العين قدام العنبيّة ، وهي بيضاء صافية صلبة كثيفة ، وهي تستر الجليدية وتقيها من الآفات الآتية من الخارج .