معلوماتها ، ألقت لها ألفاظا من حروف المعجم ، وجعلتها كالسّمات لتلك المعاني التي في ذاتها ، وعبّرت عنها للقوة السامعة من الحاضرين .
ولما كانت الأصوات لا تمكث في الهواء إلّا ريثما تأخذ المسامع حظّها ، ثم تضمحل ، احتالت الحكمة الإلهية أن قيّدت معاني تلك الألفاظ بصناعة الكتابة . ثم إن من شأن القوة الصانعة أن تصوغ لها من الخطوط الأشكال بالأقلام ، وتودعها وجوه الألواح وبطون الطوامير ، ليبقى العلم مفيدا فائدة من الماضين للغابرين ، وأثرا من الأولين للآخرين ، وخطابا من الحاضرين للغائبين . وهذه من جسيم نعم اللّه ، عز وجل ، على الإنسان كما ذكر ، جل ثناؤه ، فقال :
« اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ ، خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ ، عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ »
.
فصل في العلة التي من أجلها صار علم الانسان بالمعلومات من ثلاثة طرق
فنقول : إنه لما كان الإنسان من جملة مجموعة بدن جسماني ونفس روحانية ، صار بنفسه الروحانية يدرك العلم ، كما أنه بجسده الجسماني يعلم الصانع .
ولما كانت النفس في الرتبة الوسطى من الموجودات ، كما بيّنا في رسالة المبادي ، وذلك أن من الأشياء ما هو أعلى وأشرف من جوهر النفس كالباري تعالى والعقل والصور المجرّدة من الهيولى الذين هم ملائكة اللّه المقربون .
ومنها ما هو أدون من جوهر النفس كالهيولى والطبيعة والأجسام أجمع ، فصارت معرفة النفس بالأشياء التي دونها في الشرف بطريق الحواس التي هي المباشرة والمماسّة والمخالطة والإحاطة .