فصل في ماهية اللذة والألم والتعب والراحة وكيفية إدراك الحواس
فنقول : اعلم أن الحيوانات في دائم الأوقات لا تخلو من اللذة والألم والتعب والراحة ، لأن أبدان الحيوانات مركّبة من مزاج الأمهات الأربع ، وهي الأخلاط الأربعة ، وهي متضادّات الطباع من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة ، وهي كلها في التغيير والاستحالة بين الزيادة والنقصان ، وهما يخرجان المزاج تارة من الاعتدال إلى الزيادة في أحد الأخلاط والطباع ، أو إلى النقصان في واحد منها ، واللذة هي رجوع المزاج إلى الاعتدال بعد ما كانت خارجة عنه . فمن أجل هذا لا يحس الحيوان باللذة إلّا بعد ما يتقدمها ألم .
واعلم أن كل محسوس يخرج المزاج من الاعتدال ، فإن الحاسة تكرهه وتتألم منه . وكل محسوس يردّ المزاج إلى الاعتدال ، فإن الحاسة تحبه وتلتذ به .
ثم اعلم أن الراحة هي الثبات على الصحة والاعتدال ، وأن التعب هو التردد بين الألم واللذة .
ثم اعلم أن من نظر في هذه الرسالة وتفكر فيما وصفنا من كيفية أحوال هذه الحواس والمحسوسات ، تبين له أن المحسوسات كلّها أعراض جسمانية ، وهي صور في الهيولى ، وأن إدراك النفس لها بقواها الخمس الحساسة بطريق الحواس ؛ وأن الحواس هي آلات جسدانية ؛ وأن الحس إنما هو تغيير مزاج تلك الحواس عن مباشرة المحسوسات لها ؛ وأن الإحساس إنما هو شعور القوى الحسّاسة بتغييرات تلك الأمزجة .