فصل في كيفية وصول آثار المحسوسات إلى القوة المتخيلة التي مجراها مقدم الدماغ حسب ما تبين هاهنا
فنقول إنه ينتشر من مقدّم الدماغ عصبات لطيفة ليّنة تتصل بأصول الحواسّ ، وتتفرق هناك وتنسج في أجزاء جرم الدماغ كنسج العنكبوت .
فإذا باشرت كيفية المحسوسات من أجزاء الحواسّ ، وتغير مزاج الحواس عندها ، وغيّرتها عن كيفياتها ، وصل ذلك التغيير في تلك الأعصاب التي في مقدّم الدماغ ، والتي منشؤها من هناك كلها ، فتجتمع آثار المحسوسات كلها عند القوّة المتخيلة ، كما تجمع رسائل أصحاب الأخبار عند صاحب الخريطة ، فيوصل تلك الرسائل كلها إلى حضرة الملك . ثم إن الملك يقرؤها ويفهم معانيها ، ثم يسلمها إلى خازنه ليحفظها ، فيحفظها إلى وقت الحاجة إليها .
فهكذا حكم القوّة المتخيّلة إذا اجتمعت عندها آثار هذه المحسوسات التي أدّت إليها القوّة الحسّاسة ، دفعتها إلى القوّة المفكّرة التي مسكنها وسط الدماغ ، لتنظر فيها وترى في معانيها ، وتعرف حقائقها ومضارها ومنافعها ؛ ثم تؤديها إلى القوة الحافظة لتحفظها إلى وقت التذكار .
فصل في بيان المحسوسات بعضها بالذات وبعضها بالعرض
فنقول : اعلم أن الإنسان إذا رأى ثمرة من بعيد ، يعلم من وقته أنها حلوة أو مرة أو طيبة الرائحة أو منتنة أو أنها خشنة أو ليّنة أو صلبة أو رخوة أو حارّة أو باردة أو رطبة أو يابسة . وليس علمه بهذه الصفات كلها بطريق البصر ، ولكن بالقوة المفكّرة ، وبرؤيتها وتجاربها وما جرت لها به العادة .
وكذلك إذا أخطأ في حكم شيء من هذه فليس الخطأ من قبل الباصرة ، ولكن من قبل المفكّرة إذا حكمت من غير روية ولا اعتبار .