تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
المكان ، تموج ذلك الهواء الذي هناك ، فأحسّت عند ذلك القوة السامعة بتلك الحركة والتغيير . واعلم أن كل صوت له نغمة وصيغة وهيئة روحانية خلاف صوت الآخر ؛ وأن الهواء من شرف جوهره ولطافة عنصره يحمل كل الصوت بهيئة وصيغة ، ويحفظها لئلا يختلط بعضها ببعض ، فتفسد هيأتها ، إلى أن يبلغها أقصى مدى غاياتها عند القوة السامعة ، لتؤديها إلى القوة المتخيلة . ذلك تقدير العزيز العليم الذي جعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ، قليلا ما تشكرون .

فصل في إدراك القوة الباصرة

أما كيفية إدراك القوة الباصرة لمحسوساتها التي هي عشرة أنواع : أولها الأنوار والظّلم والألوان والسطوح والأجسام أنفسها وأشكالها وأبعادها وحركاتها وسكونها وأوضاعها . فالمدرك من هذه الأنواع بالحقيقة والذات النور والظلمة حسب ؛ إلا أن الظلمة شيء يرى ولا يرى بها شيء آخر . والنور هو الذي يرى ويرى به شيء آخر . أولها الألوان ، ولما كانت الألوان لا توجد إلا في سطوح الأجسام ، صارت السطوح مرئيّة بها . ولما كانت السطوح أيضا لا توجد إلّا في الأجسام ، صارت مرئيّة بتوسط سطوحها . ولما كانت الأجسام أيضا لا تخلو من الأشكال والأوضاع والأبعاد والحركات ، صارت هذه كلها مرتّبة بالعرض لا بالذات . ثم اعلم أن النور والظلمة لونان روحانيان ؛ وأن السواد والبياض لونان جسمانيان ؛ وأن النور مشاكل للبياض ؛ وأن الظلمة مشاكلة للسواد . وذلك أن البياض يلوح على سائر الألوان كما أن في النور ترى سائر المرئيات ، وعلى السواد لا تتبيّن الألوان ، وفي الظلمة لا يرى شيء . ثم اعلم أن النور والظلمة يسريان في الأجسام المشفّة كسريان الروح في
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 408 | إخوان الصفاء