تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
وإذ قد فرغنا من تعديد أجناس المحسوسات بقول وجيز ، فلنذكر الآن كيفية إدراك القوى الحسّاسة لمحسوساتها واحدا واحدا ، ونبتدئ أولا بالقوة اللامسة ووصفها ، لأن إدراكها للمحسوسات كان إدراكا جسمانيّا ، ثم نختم بوصف القوة الباصرة ، لأن إدراكها لمحسوساتها كان إدراكا روحانيّا .

فصل في كيفية إدراك القوة اللامسة للحرارة والبرودة

أولا هو أن مزاج بدن الحيوان في دائم الأوقات يكون على قدر ما من الحرارات والبرودات . فإذا لاقاه جسم آخر ، فلا يخلو أن يكون ذلك الجسم أشدّ حرارة من البدن أو أشد برودة منه ، أو مساويا له في ذلك . فإن كان أشد حرارة منه ، زاد سخونة ما ، عند ملاقاته إياه . وإن كان أبرد منه ، زاد برودة ما ، فتحس القوة اللامسة بذلك التغيير والاستحالة ، فتؤدّي خبرها إلى القوة المتخيّلة التي مسكنها مقدّم الدماغ . وإن كان ذلك مساويا لمزاج البدن في الحرارة والبرودة جميعا ، فلا يغيّر منه شيئا ، ولا يؤثّر فيه ، ولا تحس القوى بشيء ، ولكن لا يخلو ذلك الجسم من أن يكون أخشن من البدن ، أو ألين منه ، فتحسّ القوة بذلك التغيير والاستحالة . وإن كان مساويا أيضا في هاتين الصفتين ، فلا يؤثّر فيه شيئا ، ولا يقع الحسّ فيه ، ولكن لا يخلو ذلك الجسم من أن يكون أشدّ صلابة من البدن أو أشد رخاوة منه ، فيؤثّر فيه ، فتحس القوّة بذلك التغيير . وقلّ ما يوجد جسمان يكونان متساويين في هذه الصفات الست من الحرارة والبرودة واللين والخشونة والصلابة والرخاوة . وأما كيفيّة إدراك هذه القوة والصلابة والرخاوة ، فهو أن بدن الحيوان متى صدمه جسم آخر ، فلا يخلو من أن يقعّر أحدهما في الآخر . فإن وقع التقعير في ذلك الجسم مثل ما تغمر الإصبع في العجين ، فتحسّ القوّة بذلك اللين ،
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 403 | إخوان الصفاء