لم خلق إبليس والشياطين والكفار والفراعنة والفسّاق والفجّار والأشرار ، ولم ربّاهم ورزقهم ويمكّنهم ويمهلهم ولا يهلكهم ، ولما ذا فعل هذا ؟ وما شاكل هذه المحاولات والخرافات والوساوس التي قلوبهم مملوءة منها ، ونفوسهم شاكّة متحيرة ، فهم عند اللّه أشرار ، وإن كانوا عندكم أخيارا .
فهؤلاء وإن كانوا بالصورة الظاهرة إنسانا ، ففي الصورة المعنوية ليسوا كذلك ، فأي افتخار لكم بهم ، وإنما هم عار لكم .
وأما فقهاؤكم وعلماؤكم ، فهم الذين يتفقهون في الدين طلبا للدنيا ، وابتغاء للرئاسة والولاية والقضاء والفتاوى بآرائهم وقياساتهم ، فيحللون تارة ، ويحرّمون تارة بتأويلاتهم ، ويتبعون ما تشابه ، ويتركون حقيقة ما أنزل اللّه من الآيات المحكمات ، فنبذوه وراء ظهورهم ، كأنهم لا يعلمون ، ويتبعون ما تتلو الشياطين على قلوبهم من الخيالات . كل هذا طلبا للدنيا ، وتكسبا للرئاسة من غير ورع ولا تقوى من اللّه تعالى ، فأولئك هم وقود النار في الآخرة ، أو يتوبون إلى اللّه ويستغفرونه ، فأي فخر لكم ؟
وأما قضاتكم وعدولكم والمزكّون لكم ، فأدهى وأظلم وأبطر ، وهم أشرّ سيرة من الفراعنة والجبابرة ، وذلك أنك تجد الواحد منهم قبل الولاية قاعدا بالغدوات في مسجده حافظا لصلاته ، مقبلا على شأنه ، يمشي بين جيرانه على الأرض هونا « 1 » ، حتى إذا ولي الحكم والقضاء ، تراه راكبا بغلة فارهة « 2 » وحمارا مصريّا بسرج ومركب ، وغاشية « 3 » يحملها السودان ، وخفّاقين تنجرّ « 4 » في الأرض ، قد ضمن القضاء من السلطان الجائر بشيء يؤدّيه إليه من أموال اليتامى ومال الوقوف . وصالح عدوله بشيء من السّحت والبراطيل ،
هامش
( 1 ) هونا : سكينة ووقارا .
( 2 ) فارهة : كريمة مليحة .
( 3 ) الغاشية : الغطاء .
( 4 ) خفاقين : نعلين مصوتين . تنجرّ : ارجعها إلى النعل على الإفراد .