مشفران حادّان شبه المشراطين تقرض بهما الحبّ والخشب والثمر والنبات ، وتنقب الآجرّ والحجارة .
فقال الملك للصرصر : هذه الدابّة من الهوامّ وأنت زعيمها ، فما ذا ترى فيما قال اليوناني ؟
فقال الصرصر : صدق فيما قال ، ولكن لم يتمّم ولم يفرغ من الوصف .
فقال الملك : تممه أنت .
فقال : نعم ، إن الخالق تعالى لما قدّر أجناس الخلائق ، وقسم بينها المواهب والعطايا ، عدل في ذلك بينها بحكمته ليتكافؤوا ويتساووا عدلا منه وإلهاما وإنصافا بها ، سبحانه وبحمده . فمن الخلق ما قد وهب له جثّة عظيمة وبنية قوية ، ونفسا ذليلة مهينة مثل الجمل والفيل . ومنها ما قد وهب له نفسا قوية عزيزة ، عليمة حكيمة ، وبنية صغيرة ، ليتكافأ في المواهب والعطايا عدلا من الخالق الوهاب وحكمة .
فقال الملك للصرصر : زدني في البيان .
قال : نعم ، ألا ترى أيها الملك إلى الفيل ، مع كبر جثته ، وعظيم خلقته ، كيف هو ذليل النفس ، منقاد للصبي الراكب على كتفه ، يصرّفه كيف شاء ؟ ألم تر إلى الجمل مع عظم جثته ، وطول رقبته ، كيف ينقاد لمن جذب خطامه ، ولو كانت فأرة أو خنفساء ؟ ألم تر إلى الجرادة في الحشرات الصغار التي هي أصغر منها ، إذا ضربت الفيل بحمتها ، كيف تقتله وتهلكه ؟ وكذلك الأرضة ، وإن كانت لها جثة صغيرة ، وبنية ضعيفة ، فإن لها نفسا قوية . وهكذا حكم سائر الحيوانات الصغار الجثة مثل دودة القز ، ودودة الدرّة « 1 » ، وزنابير النحل فإن لها أنفسا علامة حكيمة وإن كانت أجسادها صغارا وبنيتها ضعيفة .
هامش
( 1 ) دودة الدرّة : اي درة البحر ، وهو أبو مصقار من السمك .