فصل
فلما فرغ الببغاء من كلامه ، قال الملك لمن حوله من حكماء الجنّ والإنس : أخبروني من الذي يحمل إلى الأرضة ذلك الطين الذي تبني به على نفسها تلك الآزاج « 1 » والعقود شبه الرّواق والدهاليز ، وهي دابّة ليس لها رجلان تعدو بهما ، ولا جناحان تطير بهما .
فقال الحكيم الخبير من العبرانيين : نعم أيها الملك سمعنا أن الجن تحمل إليها ذلك الطين مكافأة لها على ما أسدت إليها من الإحسان في اليوم الذي أكلت منشأة « 2 » سليمان بن داود ، عليه السلام ، فخرّ ، وعلمت الجن بموته فهربت ، ونجت من العذاب الأليم .
فقال الملك لمن حوله من علماء الجن : ما ذا تقولون فيما ذكر الإنسي ؟
فقالوا : لسنا نعرف هذا الفعل من الجن ، لأنه لو كانت الجن تحمل إليها التراب والطّين والماء ، فهي بعد إذا في العذاب المهين . لأن سليمان لم يكن يسومها شيئا غير حمل الماء والتراب في اتخاذ البنيان .
فقال الحكيم اليوناني : عندنا أيها الملك من ذلك علم هو غير ما ذكر هذا العبراني .
فقال الملك : أخبرني ما هو ؟
قال : نعم ، اعلم أيها الملك أن هذه الدابّة دابّة ظريفة الخلقة ، عجيبة الطبيعة . من ذلك أن طبيعتها باردة جدّا ، وبدنها متخلخل منتفخ المسامّ ، يتداخلها الهواء ، ويتجمد من شدة برد طبيعتها ، ويصير ماء ويرشح على ظاهر بدنها ، ويقع عليها غبار الهواء دائما ، فيبتلّ ويجتمع شبه الوسخ ، فهي تجمع ذلك من بدنها ، وتبني على نفسها تلك الآزاج كنّا لها من الآفات . ولها
هامش
( 1 ) الآزاج : جمع الازج ، وهو البيت يبنى طولا .
( 2 ) المنسأة ، بكسر الميم وفتحها : العصا .