إلى معرفة ربه وخالقه ومصوّره ، كما قال النبي ، صلى اللّه عليه وسلام : من عرف نفسه فقد عرف ربه . ومع جهله بهذه الأشياء أيضا ، ربما يكون تاركا للعلم بكتاب اللّه وفهم أحكام شريعته ودينه ومفروضات سنن مذهبه ، ولا يسعه تركها ولا الجهل بها .
وأما افتخاركم بأطبّائكم والمداوين لكم ، فلعمري إنكم محتاجون إليهم ما دامت لكم البطون الرحبة ، والشهوات المؤذية ، والنفوس الشرهة ، والمأكولات المختلفة ، وما يتولد منها من الأمراض المزمنة ، والأسقام المؤلمة ، والأوجاع المهلكة تلجئكم إلى باب الأطباء ، ولنعم ما قيل في الشعر :
إن الطبيب بطبّه ودوائه * لا يستطيع دفاع مكروه أتى
فزادكم اللّه أطبّاء ، لأنه لا يرى على باب دكّان الطبيب إلّا كل عليل مريض سقيم ، كما لا يرى على باب دكان المنجم إلّا كل منحوس أو منكوب أو خائف ، لا يزيده المنجم إلّا نحسا على نحس ، يأخذ قطعة ولا يقدر على تعجيل سعادة ولا تأخير منحسة إلّا زخرف القول غرورا تخمينا وحزرا بلا يقين ولا برهان .
وهكذا حكم المتطبّبين منكم يزيدون العليل سقما والمريض عذابا بالحمية من تناول أشياء ربما يكون شفاء العليل في تناولها ، وهو ينهاه ويمنعه منها لجهله ، ولو تركه مع حكم الطبيعة ، لعله كان أسرع لبرئه وأنجح لشفائه ، فافتخارك ، أيها الإنسي ، بأطبائكم ومنجّميكم هو عليكم لا لكم .
فأما نحن فغير محتاجين إلى الأطباء والمنجمين ، لأنّا لا نأكل إلّا قوت يوم ، وبلغة يوم من لون واحد وطعام واحد ، فلا تعرض لنا الأمراض المختلفة والأعلال المتفنّنة ، ولا نحتاج إلى الأطباء ولا إلى الشراب والدّرياقات وفنون المداواة مما تحتاجون أنتم إليه . فهذه الأحوال كلها التي هي بالأحرار والأخيار أشبه ، والكرام أولى ؛ وتلك بالعبيد والأشقياء أولى ، وبهم أليق .