وهم لا يلتفتون إليهم ولا يرحمونهم ، ولا يفكرون فيهم . فأي مروءة لهم ، وأي فتوّة فيهم ، وكيف تهنيهم لذاتهم ؟ ألا إنهم كالأنعام بل هم أضل سبيلا .
وأما الذين ذكرتهم من الكتّاب والعمال وأصحاب الدواوين ، وافتخرت بهم ، فهكذا يليق بكم الافتخار بالأشرار الذين يهتدون إلى أسباب الشرور ما لا يهتدي غيرهم ، ويصلون إلى ما لا يصل إليه سواهم ، لدقة أفهامهم ، وجودة تمييزهم ، ولطف مكايدهم ، وطول ألسنتهم ، ونفاذ خطابهم في كتبهم . يكتب أحدهم إلى أخيه وصديقه زخرفا من القول ، غرورا بألفاظ مسجّعة ، وكلام حلو ، وخطاب فصيح يغريه ، وهو من ورائه في قطع دابره ، والحيلة في إزالة نعمته ، والوصول إلى أسباب نكايته ، وتدوين الأعمال في مصادراته ، وتأويلات الأخذ لماله .
وأما قرّاؤكم وعبّادكم الذين تظنون أنهم أخياركم ، وترجون استجابة دعائهم وشفاعتهم لكم عند ربهم ، فهم الذين غرّوكم بإظهارهم الورع والخشوع والتقشف والنّسك من حذف الأسبلة « 1 » ، وتقصير الأكمام ، وتشمير الإزار والسراويل ، ولبس الخشن من الصوف والشعر والمرقّعات ، وطول الصمت ، وكثرة التنسك ، وترك التفقه في الدين وتعلّم أحكام الشرائع وسنن الدين ، وترك تهذيب النفس وإصلاح الخلق ؛ واشتغلوا بكثرة السجود والركوع بلا علم ، حتى ظهر أثر السجود على جباههم ، والثفنات « 2 » على ركبهم ، وتركوا الأكل والشرب ، حتى جفت أدمغتهم ، ونحلت شفاههم ، وانحلت أبدانهم ، وتغيرت ألوانهم ، وانحنت ظهورهم ، وقلوبهم مملوءة بغضا وحقدا وجفاء لمن ليس مثلهم ، ونفوسهم مملوءة وساوس وخصومة مع ربهم بضمائرهم ،
هامش
( 1 ) حذف الأسبلة : أي احفاء الشوارب .
( 2 ) الثفنات : جمع الثفنة ، وهي من البعير ما لاصق الأرض إذا استناخ ، ومن الإنسان الركبة ، والمراد هنا بالثفنات الركب الغليظة الخشنة من كثرة السجود كأنها ثفنات البعير .