فلم يدروا تفصيلا ، ولكن قالوا : من سلطان لا يطاق .
فقال لهم : متى يكون ذلك ؟
فقالوا : في هذه السنة في شهر كذا .
فشاور الملك أهل الرأي كيف التحرّز منه ، فأشار عليه أهل الدين والورع والمتألهون بأن يخرج وأهل المدينة كلهم إلى خارج المدينة ، فيدعون اللّه أن يصرف عنهم ما أخبرهم به المنجمون مما يخافون ويحذرون . فقبل الملك مشورتهم وخرج في ذلك الشهر الذي يخافون كون الحوادث فيه ، وخرج معه أكثر أهل المدينة فدعوا اللّه أن يصرف عنهم ما يخافون ، وباتوا تلك الليلة على حالهم . وبقي قوم في المدينة لم يكترثوا لما أخبرهم به المنجمون ، وما خافوا وما حذروا منه . فجاء بالليل مطر عظيم وسيل العرم . وكان بناء المدينة في مصبّ الوادي ، فهلك من كان في المدينة بائتا ، ونجا من كان قد خرج وكان بائتا في الصحراء . فمثل هذا يندفع من قوم ويصيب قوما .
وأما الذي لا يندفع وما لا بد منه ، ولكن يجعل اللّه لأهل الدعاء والصدقة والصلاة والصيام في ذلك خيريّة وصلاحا ، كما فعل بقوم نوح . فمن آمن منهم نجا ، وجعل لهم خيريّة في ذلك ، كما ذكر اللّه تعالى بقوله :
« فَأَنْجَيْناهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً عَمِينَ »
.
وأما متفلسفوكم الطبيعيون والمنطقيون والجدليون ، فإنهم عليكم لا لكم .
قال الإنسي : وكيف ذلك ؟
قال : لأنهم هم الذين يضلّون بني آدم عن المنهاج المستقيم وصواب الطريق والدين وأحكام الشرائع بكثرة اختلافهم وفنون آرائهم ومذاهبهم ومقالاتهم ، وذلك أن منهم من يقول بقدم العالم ، ومنهم من يقول بقدم الهيولى ، ومنهم من يقول بقدم الصورة ، ومنهم من يقول بعلّتين اثنتين ، ومنهم من يقول بثلاث ، ومنهم من يقول بأربع ، ومنهم من قال بخمس ، ومنهم من