الإنس أن السباع قد فعلت بعضها ببعض مثل ما تعملون أنتم بعضكم ببعض في كل يوم ؟
ثم قال زعيم السباع لزعيم الإنس : لو تفكرتم ، يا معشر الإنس ، في أحوال السّباع واعتبرتم تصاريف أمورها ، لعلمتم وتبين لكم أنها خير منكم وأفضل .
قال زعيم الإنس : كيف ذلك ؟ دلّنا عليه ! قال : نعم ، أليس خياركم الزهّاد والعبّاد والرهبان والأحبار والسّيّاح ؟
قال : نعم .
قال : أليس إذا تناهى واحد منكم في الخيريّة والصلاح ، خرج من بين أظهركم وهرب منكم ، وذهب يأوي إلى رؤوس الجبال والتلال ، وبطون الأودية والسواحل والآجام مأوى السباع ، ويخالطها في أماكنها في الكهوف والمغارات ، ويعاشرها في أوطانها ، ويجاورها في أكنافها ، ولا تتعرض له السباع ؟
قال : بلى كما قلت كذا نقول .
قال : فلو لم تكن السباع أخيارا لما جاورها أخياركم ، وعاشرها الصالحون منكم ، لأن الأخيار لا يعاشرون الأشرار ، بل يفرّون منهم وينفرون عنهم ، فهذا دليل على أن السباع صالحة ، لا كما زعمتم أنها شرّ خلق اللّه ، فهذا القول الذي ذكرتم زورا وبهتانا عليها . ودليل آخر أن السباع صالحة ، لا كما زعمت ، هو أن من سنّة ملوككم الجبارة إذا شكّوا في الصالحين منكم والأخيار من أبناء جنسكم ، يطرحونهم بين السباع ، فإن لم تأكله ، علموا بأنه من الأخيار ، لأنه لا يعرف الأخيار إلّا الأخيار كما قال الشاعر :
يعرفه الباحث عن جنسه ، * وسائر الناس له منكر
واعلم ، أيها الإنسي ، أن في السباع أخيارا وأشرارا ، وأن الأشرار منها