تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦
الإنس أن السباع قد فعلت بعضها ببعض مثل ما تعملون أنتم بعضكم ببعض في كل يوم ؟ ثم قال زعيم السباع لزعيم الإنس : لو تفكرتم ، يا معشر الإنس ، في أحوال السّباع واعتبرتم تصاريف أمورها ، لعلمتم وتبين لكم أنها خير منكم وأفضل . قال زعيم الإنس : كيف ذلك ؟ دلّنا عليه ! قال : نعم ، أليس خياركم الزهّاد والعبّاد والرهبان والأحبار والسّيّاح ؟ قال : نعم . قال : أليس إذا تناهى واحد منكم في الخيريّة والصلاح ، خرج من بين أظهركم وهرب منكم ، وذهب يأوي إلى رؤوس الجبال والتلال ، وبطون الأودية والسواحل والآجام مأوى السباع ، ويخالطها في أماكنها في الكهوف والمغارات ، ويعاشرها في أوطانها ، ويجاورها في أكنافها ، ولا تتعرض له السباع ؟ قال : بلى كما قلت كذا نقول . قال : فلو لم تكن السباع أخيارا لما جاورها أخياركم ، وعاشرها الصالحون منكم ، لأن الأخيار لا يعاشرون الأشرار ، بل يفرّون منهم وينفرون عنهم ، فهذا دليل على أن السباع صالحة ، لا كما زعمتم أنها شرّ خلق اللّه ، فهذا القول الذي ذكرتم زورا وبهتانا عليها . ودليل آخر أن السباع صالحة ، لا كما زعمت ، هو أن من سنّة ملوككم الجبارة إذا شكّوا في الصالحين منكم والأخيار من أبناء جنسكم ، يطرحونهم بين السباع ، فإن لم تأكله ، علموا بأنه من الأخيار ، لأنه لا يعرف الأخيار إلّا الأخيار كما قال الشاعر :
يعرفه الباحث عن جنسه ، * وسائر الناس له منكر
واعلم ، أيها الإنسي ، أن في السباع أخيارا وأشرارا ، وأن الأشرار منها
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 336 | إخوان الصفاء