لا تأكل الأشرار كما يأكل الأشرار الأشرار من الإنس ، كما ذكر اللّه تعالى :
« وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضاً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ . »
أقول قولي هذا وأستغفر اللّه لي ولكم .
فلما فرغ زعيم السباع من كلامه ، قال حكيم من الجنّ : صدق هذا القائل إن الأخيار يهربون من الأشرار ويأنسون بالأخيار ، وإن كانوا من غير جنسهم ، وإن الأشرار أيضا يبغضون الأخيار ، ويهربون منهم ، ويلجئون إلى أبناء جنسهم من الأشرار . فلو لم يكن بنو آدم أكثرهم أشرارا لما هرب أخيارهم من بين ظهرانيهم إلى رؤوس الجبال والآجام ومأوى السباع ، وهي من غير جنسهم ، ولا تشبههم في الصورة ولا في الخلقة ، إلّا في أخلاق النفوس من الخيرية والصلاح والسلامة .
قالت الجماعة كلها : صدق الحكيم فيما قال وذكر وأخبر .
فخجلت جماعة الإنس عند ذلك ونكست رءوسها حياء وخجلا مما سمعت من التوبيخ والتعريض ، وانقضى المجلس ونادى مناد : انصرفوا مكرّمين ، لتعودوا غدا آمنين مطمئنين !
فصل
ولما كان من الغد جلس الملك مجلسه ، وحضرت الطوائف كلها على الرسم ، واصطفت ، فنظر الملك إلى جماعة الإنس وقال : قد سمعتم ما جرى أمس وما ذكرتم ، وسمعتم الجواب عما قلتم ، فهل عندكم شيء آخر غير ما ذكرتم بالأمس ؟
فقام عند ذلك الزعيم الفارسي وقال : نعم أيها الملك العادل إن لنا مناقب أخر وفضائل جمّة ، وخصالا عدّة تدل على صحة ما نقول وندعي .
قال الملك : هات ، واذكر منها شيئا .