من ألوان تلك الثمار ، فيأكلان منها ويتقوّتان بها ، ويتنزهان في تلك الأرض والرياض والرّوح والريحان ، والزهر والنّور ، مستريحين متلذذين منعّمين فرحين غير خائفين ، بلا تعب من البدن ، ولا عناء من النفس . وكانا منهيّين عن تجاوز طورهما ، وتناول ما ليس لهما قبل وقتها . فتركا وصية ربهما ، واغترا بقول عدوهما فتناولا ما كانا منهيّين عنه ، فسقطت مرتبتهما ، وتناثرت شعورهما ، وانكشفت عوراتهما ، وأخرجا من هناك عريانين مطرودين مهانين معاقبين فيما يتكلفان من إصلاح المعاش ، وما يحتاجان إليه من قوام الحياة الدنيا ، كما زعم زعيم الطيور في الفصل الأول ، وكما ذكر حكيم الجن في فصله مثل ذلك .
فلما بلغ زعيم السباع إلى هذا الموضع من الكلام ، قال له زعيم الإنس :
أما أنتم ، يا معشر السباع ، فسبيلكم أن تسكتوا وتستحوا ولا تتكلموا ! قال له كليلة : ولم ذلك ؟
قال : لأنه ليس من الطوائف الحضور هاهنا جنس أشرّ منكم ، معشر السباع ، ولا أقسى قلوبا ، ولا أقلّ نفعا ، ولا أكثر ضررا ، ولا أشد حرصا على أكل الجيف وطلب المعاش .
قال : كيف ذلك ؟
قال : ل . نكم تفترسون ، معشر السباع ، هذه البهائم والأنعام بمخالب حداد ، فتخرقون جلودها ، وتكسرون عظامها ، وتشربون دماءها ، وتنهشون لحومها بلا رحمة عليها ، ولا فكرة فيها ، ولا رفق بها .
قال زعيم السباع : منكم تعلمنا ، وبكم اقتدينا فيما تعملون في هذه البهائم .
قال الإنسي : كيف كان ذلك ؟
قال : لأنه قبل خلق أبيكم آدم وأولاده ما كانت السباع تفعل من ذلك شيئا ولا تصطاد الأحياء منها ، لأن جيفها كانت كثيرة ، وما يموت منها كل يوم بآجالها كفاية لها تتقوت به ، وما تحتاج إلى صيد الأحياء منها ،
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 333
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٣٣٣