تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 327

مساهمون:

ص٣٢٧
وقلة معرفتكم بالمنافع والمضارّ ، وأن الإنسان كان ظلوما جهولا ، تحتاجون إلى المعلمين والأستاذين والمذكّرين والواعظين ، لكثرة غفلاتكم وسهوكم ونسيانكم . وإنما مبيّن لكم الحلال والحرام ، لأن الحرام مثل طعام حارّ جدّا يتضرر بتناوله من غلبت عليه الحرارة ، وهو شاب ابن ثلاثين سنة ، ويسكن في البلدان الحارة جدّا ، في أكثر الأوقات أن يوقعه في هاوية البلى أو في البلى أو في جهنم الدّقّ « 1 » والذبول ، ويصير مثل ما سقوا ماء حميما فقطّع أمعاءهم . والحلال مثل طعام خفيف الجرم ، كثير الفائدة ، صالح الكيموس ، كثير الغذاء ، ينتفع بتناوله من كان مزاجه معتدلا ، وهو صحيح البنية ، ويسكن في البلدان الشريفة عند خط الاستواء ، الصّراط المستقيم ، ففي أكثر الأمر إن من هذا شأنه ودأبه يبقى مدة مديدة في جنّة الصّحة ودار السلام ، من اعتدال البنيان ، ودار النعيم ، وقلة الأمراض ، فانتبه أيها الإنسيّ من نوم الغفلة ، ورقدة الجهالة . واعلم أن هذه الأحكامات والموضوعات قيود وأغلال وسلاسل عليكم ، إذ الحكمة الإلهية اقتضت هذه الأسرار الواجبة ، وجعلت الموضوعات الشرعية والحكمية أستاذا ومؤدبا لكم ، ونحن بمعزل عن جميع ذلك ، إذ قد ألهمنا اللّه تعالى إلى جميع ما نحتاج إليه من أول الأمر إلهاما ووحيا ، بلا واسطة من الرسل ولا نداء من وراء حجاب ، كما أوحى إلى النحل بقوله تعالى :
« وَأَوْحى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبالِ بُيُوتاً »
وكما قال تعالى :
« كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ »
وعلّم سليمان منطق الطير ، فافهم أيها الغافل الإنسي ، وقال :
« فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ »
قال
« يا وَيْلَتى أَ عَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرابِ فَأُوارِيَ
هامش
( 1 ) الدق : اي حمى الدق ، وهي حرارة غريبة تتشبث بالأعضاء الأصلية ولا سيما القلب ، وهي لازمة على نظام واحد ، غير أنها تشتد ليلا وبعد الغذاء .