وعصيا ربهما ، وأخرجا من هنالك عريانين مطرودين ، ورميا من رأس ذلك الجبل إلى أسفله ، فوقعا في برية قفر لا ماء فيها ، ولا شجر ، ولا كنّ ، فبقيا فيها جائعين عريانين يبكيان على ما فاتهما من النّعم التي كانا فيها هناك .
ثم إن رحمة اللّه تداركتهما ، فتاب عليهما ، وأرسل إليهما من هناك ملكا يعلمهما الحرث والزرع والحصاد والدّراس والطّحن والخبز واتخاذ اللباس من حشيش الأرض والقطن والكتّان والقصب ، بعناء وتعب وجهد وشقاء لا يحصي عددها إلّا اللّه مما قد ذكرنا طرفا منها من قبل .
فلما توالدا وكثرت أولادهما وانتشروا في الأرض برّا وبحرا ، وسهلا وجبلا ، وضيّقوا على سكان الأرض من أصناف هذه الحيوانات أماكنها ، وغلبوها على أوطانها ، وأخذوا منها ما أخذوا ، وأسروا منها ما أسروا ، وهرب منها ما هرب ، وطلبوها أشد الطلب ، وبغيتم عليها وطغيتم ، حتى بلغ الأمر إلى هذه الغاية التي أنتم عليها الآن من الافتخار والمناظرة والمنازعة والمخاصمة .
وأما الذي ذكرت بأن لكم مجالس اللهو واللعب والفرح والسرور ، وما ليس لنا من الأعراس والولائم والرقص والحكايات المضحكات ، والتحيات والتهنئات ، والمدح والثناء ، والحلى والتيجان والأسورة والخلاخل ، وما شاكلها مما نحن بمعزل عنه ، فإن لكم أيضا بكل خصلة منها ضروبا من العقوبات ، وفنونا من المصائب وعذابا أليما مما نحن بمعزل عنه .
فمن ذلك أن لكم بإزاء الأعراس المآتم ؛ وبدل التهنئة التعزية ؛ وبدل الألحان والغناء النوح والصراخ ؛ وبدل الضحك البكاء ؛ وبدل الفرح والسرور الغمّ والحزن ؛ وبدل المجالس والإيوانات العالية المضيقة من القبور المظلمة ، والتوابيت الضيقة المظلمة ؛ وبدل الحصون الواسعة الحبوس والمطامير الضيقة المظلمة ؛ وبدل الرقص الدسبندان والسياط والعذاب والضرب والعقاب ؛ وبدل الحلى والتيجان والخلاخيل والأسورة القيود والأغلال والسوامير
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 322
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٣٢٢