تترك أن تروض نفسها كما يجب ، بل تستخدم وتتعب أبدانها ، فتعرض لها بعض الأمراض من نحو ما يعرض لكم . وهكذا حكم أمراض أطفالكم وأوجاعهم ، وذلك أن الحوامل من نسائكم وجواريكم المرضعات يأكلن ويشربن بشرههنّ وحرصهنّ أكثر ما ينبغي من ألوان الطعام والشراب التي ذكرت وافتخرت بها ، فتتولد في أبدانهن من ذلك أخلاط غليظة متضادّة الطباع ، فيؤثّر ذلك في أبدان الأجنّة التي في بطونهن ، وفي أبدان أطفالهن من ذلك اللبن الرديء ، ويصير سببا للأمراض والعلل والأوجاع من الفالج واللقوة والزمانة « 1 » واضطراب البنية ، وتشويه الخلق ، وسماجة الصورة .
وما ذكرت من اختلاف الأوجاع والأمراض ، مما أنتم مرتهنون بها ، معرّضون لها ، وما يعقبها من موت الفجأة ، وشدّة النزع ، وما يعرض لكم من ذلك من الغم والحزن والنوح والبكاء والصراخ والمصائب ، وكل ذلك عقوبة لكم وعذاب لأنفسكم من سوء أعمالكم ، ورداءة اختباراتكم ، ونحن بمعزل من هذه كلها . وشيء آخر ذهب عليكم أيها الإنسي التائه النظر فيه .
قال : ما هو ؟
قال : إن أطيب ما تأكلون ، وألذّ ما تشربون ، وأنفع ما تتداوون به ، هو العسل ، وهو لعاب النحل ، وليس منكم بل من الحشرات . فبأي شيء تفتخرون به علينا ، وقد كان آباؤنا مشاركين فيه لآبائكم بالسويّة أيضا ، أيام كانوا في ذلك البستان الذي بالمشرق على رأس ذلك الجبل ، فكانوا يأكلون من تلك الثمار والحبّ بار كد ولا تعب ، ولا عناء ، ولا عداوة بينهم ، ولا حسد ، ولا استئثار ولا جنى ولا ادّخار ولا حرص ، ولا بخل ، ولا خوف ، ولا همّ ولا غم ولا حزن ، حتى تركا وصيّة ربهما ، واغترّا بقول عدوهما ،
هامش
( 1 ) الزمانة : العاهة وعدم بعض الأعضاء ، وتعطيل القوى . والأطباء يخصونها بالشلل ، وهو يبس في اليد .