ومقاساة الدخان ، وبناء الدّكّان ، ومعاكسة القصّاب ، ومحاسبة البقّال ، والجهد والغناء في اكتساب الأموال والدراهم ، وتعلّم الصنائع والمكاسب المتعبة للأبدان ، والأعمال الشاقة على النفوس ، والمحاسبات والتجارات ، والذّهاب والمجيء في الأسفار البعيدة في طلب الأمتعة والحوائج ، والجمع والادّخار ، والاحتكار والإنفاق بالتقدير ، مع مقاساة البخل والشّحّ . فإن كان جمعها من حلال ، وأنفقها في وجه اللّه ، فلا بد من الحساب . وإن كان من غير حلّ ، وإنفاقه في غير وجه اللّه ، فالويل والحساب والعذاب ، إذ لا بد من القوت والثياب مثل ما لا بد من الموت والحساب .
ونحن بمعزل من هذه كلها ، وذلك أن طعامنا وغذاءنا هو مما يخرج لنا من الأرض من أمطار سمائها ، من ألوان البقول الرّطبة ، والخضرة النضرة اللينة ، والحشائش ، والعشب ، ومثل ألوان الحبوب اللطيفة المكنونة في غلفها وسنبلها وقشرها ، ومن ألوان الثمار المختلفة الأشكال ، وأنواع الطعوم والروائح الزكية ، والأوراق الخضرة النضرة ، والأزهار والرياحين في الرياض .
وتخرجها لنا الأرض حالا بعد حال ، وسنة بعد سنة ، بلا كد ولا تعب من أبداننا ، ولا عناء من نفوسنا ، ولا نصب من أرواحنا . ولا نحتاج إلى كدّ حرّاث ، ولا عناء ولا سقي متعب لأرواحنا . ولا نحتاج إلى بذر ولا حصاد ولا دراس ولا طحن ولا خبز ولا طبخ ولا شواء . وهذه كلها علامات الكرام الأحرار .
وأيضا إذا أكلنا قوتنا يوما بيوم ، تركنا ما يفضل عنّا بمكانه ، لا نحتاج إلى حفظه ، ولا نحتاج إلى خازن ، ولا ناطور ، ولا حارس ، ولا احتكار إلى وقت اخر ، بلا خوف لص ولا قاطع طريق . ننام في أماكننا ، وأوطاننا وأوكارنا بلا باب ولا غلق ولا حصن ، آمنين مطمئنين مودعين « 1 »
هامش
( 1 ) مودعين : مستريحين .