وجعل تربة بلادنا أكثر معادن ، وأشجارها طيبا ، ونباتها أدوية ، وحيوانها فيلة ، ودوحها ساجا « 1 » ، وقصبها قنا ، وعكرشها « 2 » خيزرانا ، وحصاها ياقوتا وزبرجدا ، وجعل مبدأ كون آدم ، عليه السلام ، هناك وهكذا حكم سائر الحيوانات ، بدأ كونها تحت خط الاستواء .
ثم إن اللّه ، تبارك وتعالى ، خصّنا فبعث في بلادنا الأنبياء ، وجعل أكثر أهلها الحكماء . فمنهم البدو والبرهميون وبوداسف وبلوهر ، وخصّنا بألطف العلوم سحرا وعزائم « 3 » وكهانة ، وجعل أهل بلادنا أسرع الناس حركة ، وأخفّهم وثبا ، وأجسرهم على أسباب المنايا إقداما ، وبالموت تهاونا . أقول قولي هذا ، وأستغفر اللّه تعالى لي ولكم .
قال صاحب العزيمة : لو أتمت الخطبة ، وقلت ثم بلينا بحرق الأجساد ، وعبادة البدور والأصنام والقرود ، وكثرة أولاد الزنا ، واسوداد الوجوه ، وأكل التّبول والفلافل .
ثم نظر الملك ، فرأى رجلا آخر ، فتأمّل ، فإذا هو طويل مرتد برداء أصفر ، بيده مدرجة « 4 » ينظر فيها ويزمزم « 5 » ، ويترجّح قدّاما وخلفا .
فقال الملك للوزير : من هو ذاك ؟
فقال : رجل من أهل الشام عبراني من آل إسرائيل .
فقال الملك : فمر له أن يتكلم .
فأمر الوزير للعبراني . قال : سمعا وطاعة .
هامش
( 1 ) الساج : شجر هندي .
( 2 ) العكرش : نبات من الحمض آفة للنخل ، ينبت في أصله فيهلكه ، أو نبات منبسط على الأرض له زهر دقيق وبزر كالجاورس ، وطعم كالبقل .
( 3 ) العزائم : الرقى ، وآيات القرآن تقرأ على ذوي الآفات .
( 4 ) المدرجة : الورقة التي تكتب فيها الرسالة .
( 5 ) يزمزم : يدير صوته في خيشومه وحلقه ويترنم .