البنيان ، ودبّرنا الملك والسياسة ، وأوتينا النبوة والرسالة . فمنا نوح النبي ، عليه السلام ، وإدريس الرفيع ، وإبراهيم خليل الرحمن ، وموسى الكليم ، وعيسى المسيح ، ومحمد المصطفى ، عليهم صلوات اللّه وتحياته . ومنّا كانت الملوك الفاضلة ، مثل أفريدون النبطي ، وسليمان بن داود الإسرائيلي ، ومنوجهر الحريري ، ودارا التميمي ، وتبّع الحميري ، وأردشير بن بابكان الفارسي ، وبهرام ، وأنوشروان ، وبزرجمهر بن تختان وملوك الطوائف من آل ساسان وبني سامان الذين شقّوا الأنهار ، وأمروا بغرس الأشجار ، وبنيان المدن والقرى ، ودبّروا الملك والسياسة والجنود والرعية ، فنحن لبّ الناس ، والناس لب الحيوان ، والحيوان لبّ النبات ، والنبات لبّ المعادن ، والمعادن لبّ الأركان . فنحن لب أولي الألباب ، فلله الحمد والمنّة ، وله الشّكر والثناء ، وإليه المصير بعد الهرم . وأقول قولي هذا ، وأستغفر اللّه لي ولكم .
ثم قال الملك لمن كان حاضرا من حكماء الجن : ما تقولون فيما قال الإنسي من الأقاويل في ما ذكر من فضائلهم ، وافتخر به ؟
قالوا : صدق في ما قال .
وتكلم غير واحد من حكماء الجن كان يقال له صاحب العزيمة والصرامة ، فإنه ما كان يحابي أحدا ، وإذا تكلم واحد وكان على خطئه وزلّته ، رده عن غيّه وضلالته . فقال : يا معشر الحكماء ، اعلموا أن هذا الإنسي قد ترك شيئا لم يذكره في خطبته ، وهو ملاك الأمر وعمدته .
فقال الملك : وما هو ؟
قال : لم يقل : ومن عندنا خرج الطّوفان ، فغرّق ما على وجه الأرض من النبات والحيوان ، وفي بلادنا اختلفت الألسن ، وتبلبلت العقول ، وتحيرت الألباب . ومنّا كان نمرود الجبار ، ونحن طرحنا إبراهيم في النار .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 280
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٢٨٠