ويعتبر بالقرون الماضية ، وفيه مع ذلك من الورع والزّهد والخشوع والتقنّع والتقشّف ما ليس لغيره ، يصوم النهار ويحيي الليل ، وربما يعظ بني آدم يذكّرهم وينوح على ملوكهم الماضية والأمم السالفة ، ويقول هذه الأبيات :
أين الملوك الماضية ، * تركوا المنازل خاليه !
جمعوا الكنوز بجدّهم ، * تركوا الكنوز كماهية
فانظر إليهم ، هل ترى * في دارهم من باقيه
إلّا قبورا درّسا * فيها عظام باليه ؟
ويقولون أيضا :
ألا يا دار ويحك خبّرينا : * لما ذا صار أهلك يهجرونا
فما نطقت ولو نطقت لقالت : * لأنك قد بليت وما بلينا
وربما قال :
سألت الدار تخبرني * عن الأحباب ما فعلوا
فقالت لي : أقام القوم * أياما ، وقد رحلوا
فقلت : أين أطلبهم ، * وأيّ منازل نزلوا ؟
فقالت : في القبور ، وقد * لقوا ، واللّه ، ما عملوا !
وربما قال أيضا :
في الذاهبين الأولين * من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا * للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها * يمضي الأكابر والأصاغر
لا يرجع الماضي ، ولا * يبقى من الباقين غابر