فصل في بيان كيفية استخراج العامة أسرار الملوك
فنقول اعلم أن الملك لما خلا بوزيره ذلك اليوم اجتمعت جماعة الإنس في مجلسهم ، وكانوا سبعين رجلا من بلدان شتى ، فأخذوا يرجّمون الظنون .
فقال قائل منهم : قد رأيتم وسمعتم ما جرى اليوم بيننا وبين هؤلاء عبيدنا من الكلام الطويل ، ولم تنفصل الحكومة ، فترى أيّ شيء رأى الملك في أمرنا ؟
فقالوا : لا ندري ، ولكن نظن أنه قد لحق الملك من ذلك ضجر ، وشغل قلب ، وأنه لا يجلس غدا للحكومة بيننا وبينهم .
قال الآخر : لكن أظن أنه يخلو غدا مع وزيره ويشاوره في أمرنا .
قال الآخر : بل يجمع غدا الفقهاء والحكماء ويشاورهم في أمرنا .
قال الآخر : ترى ما الذي يشيرون به في أمرنا ؟ فأظن أن الملك حسن الرأي فينا ، ولكن أخاف أن الوزير ربما يميل علينا ويحيف في أمرنا .
قال الآخر : أمر الوزير سهل ، نحمل إليه شيئا من الهدايا ، يلين جانبه ويحسن رأيه .
وقال الآخر : ولكن أخاف من شيء آخر .
قالوا : وما هو ؟
قال : فتاوى الحكماء والفقهاء وحكم الحاكم .
قالوا : هؤلاء أمرهم أيضا سهل ، نحمل إليهم شيئا من التّحف والرشوة ، فيحسن رأيهم فينا ويطلبون لنا حيلا فقهيّة ، ولا يبالون بتغيير الأحكام ، ولكن بليّتنا والذي نخاف منه صاحب العزيمة ، فإنه صاحب الرأي والصواب والصّرامة صلب الوجه وقح لا يبالي بأحد ؛ فإن استشاره ، أخاف أن يشير عليه بالمعاونة لعبيدنا علينا ويعلّمه كيف ينتزعها من أيدينا .
وقال آخر : القول كما ذكرت ، ولكن إن استشار الملك الفلاسفة والحكماء