فلما رآه مستقرّا عنده خرّ سليمان ، عليه السلام ، ساجدا للّه تعالى ، وتبيّن فضل الإنس على الجن . وانقضى المجلس وانصرفت الجن من المجلس من هناك خجلين منكّسين رؤوسهم ، وغوغاء الإنس يتغطغطون « 1 » في أثرهم ، ويستقفون أثرهم شامتين بهم .
فلمّا جرى ما ذكرته هربت طائفة من الجنّ من سليمان ، وخرج عليه خارج منهم ، فوجّه سليمان ، عليه السلام ، في طلبهم من جنوده ، وعلّمهم كيف يأخذونهم بالرّقى والعزائم والكلمات والآيات المنزلات ، وكيف يحسبونهم بالمنادل ، وعمل في ذلك كتابا وجد في خزانته بعد موته ، وشغل سليمان ، عليه السلام ، طغاة الجنّ بالأعمال الشاقّة إلى أن مات .
ثم لمّا بعث المسيح ، عليه السلام ، دعا الخلق من الجنّ والإنس إلى اللّه تعالى ، عزّ وجلّ ، ورغّبهم في لقائه ، وبيّن لهم طريق الهدى ، وعلّمهم كيف الصعود إلى ملكوت السماوات ، فدخل في دينه طوائف من الجن وترهّبت وارتقت إلى هناك ، واستمعت من الملإ الأعلى الأخبار ، وألقت إلى الكهنة .
فلمّا بعث اللّه محمدا ، صلى اللّه عليه وآله ، منعت من استراق السّمع ، وقالت : لا ندري أشرّ أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربّهم رشدا .
ودخلت قبائل من الجنّ في دينه وحسن إسلامها ، وانصلح الأمر بين بني الجان وبين المسلمين من أولاد آدم ، عليه السلام ، إلى يومنا هذا .
ثم قال الحكيم : يا معشر الجنّ ، لا تتعرّضوا لهم ، ولا تفسدوا الحال بينكم وبينهم ، ولا تحرّكوا الأحقاد الساكنة ، ولا تثيروا الأضغان الكامنة والبغضاء والعداوة القديمة المركوزة في الطّباع والجبلة ، فإنها كالنار الكامنة
هامش
( 1 ) يتغطغطون : يتبددون ، أو يتدفقون كموج البحر .