تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 205

مساهمون:

ص٢٠٥
ثم إن أولئك القوم استطابوا ذلك المقام ، واستوطنوا ، وبنوا هنالك البنيان وسكنوا . ثم إنهم أخذوا يتعرّضون لتلك البهائم والأنعام التي هناك يسخّرونها ليركبوها ويحملوا عليها أثقالهم على المنوال الذي كانوا يفعلون في بلدانهم ، فنفرت منهم تلك البهائم والأنعام التي كانت هناك ، وهربت ، وشمّروا في طلبها بأنواع من الحيل في أخذها ، واعتقدوا فيها أنها عبيد لهم ، هربت وخلعت الطاعة وعصت . فلما علمت تلك البهائم والأنعام هذا الاعتقاد منهم فيها ، جمعت زعماءها وخطباءها ، وذهبت إلى بيراست الحكيم ملك الجن ، وشكت إليه ما لقيت من جور بني آدم وتعدّيهم عليها واعتقادهم فيها ، فبعث ملك الجن رسولا إلى أولئك القوم ودعاهم إلى حضرته ، فذهب طائفة من أهل ذلك المركب إلى هناك ، وكانوا نحوا من سبعين رجلا من بلدان شتّى ، فلما بلغه قدومهم أمر لهم بطرح الأنزال « 1 » والإكرام ، ثم أوصلهم إلى مجلسه بعد ثلاثة أيام . وكان بيراست الحكيم عادلا كريما منصفا سمحا يقري الأضياف ، ويؤوي الغرباء ، ويرحم المبتلى ، ويمنع الظلم ، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ، ولا يبتغي بذلك غير وجه اللّه تعالى ومرضاته ، فلما وصلوا إليه ورأوه على سرير ملكه حيّوه بالتحية والسلام ، فقال لهم الملك على لسان التّرجمان : ما الذي جاء بكم إلى بلادنا ، وما دعاكم إلى جزيرتنا من غير مراسلة قبل ذلك ؟ قال قائل من الإنس : دعانا ما سمعنا من فضائل الملك ، وما بلغنا من مناقبه الحسان ومكارم أخلاقه الجسام وعدله وإنصافه في الأحكام ، فجئناه ليسمع كلامنا ويتبيّن حجتنا ، ويحكم بيننا وبين عبيدنا الآبقين وخولنا المنكرين ولايتنا ، واللّه يوفّق الملك للصواب ويسدّده للرّشاد ، وهو أحكم الحاكمين .
هامش
( 1 ) الأنزال : ما يهيأ للضيف لينزل عليه ، وأحدها نزل .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 205 | إخوان الصفاء