تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 195

مساهمون:

ص١٩٥
وما يفضل من تلك المواد في أبدان الذّكر فقد جعل الباري الحكيم لها أعضاء وأوعية ومجاري يحصل فيها ، وهي النّطفة تجري منها إلى أرحام الإناث عند السّفاد والنزو والجماع . وجعل في أبدان الإناث أعضاء وأوعية ومجاري يحصل فيها ، وينضاف إليها ما يفضل في أبدان الإناث من الرطوبات المشاكلات لها على ممرّ الأيام والشهور ، وتجتمع وتكثر ، ويخلق الباري الحكيم منها صورة مثل أحد الزوجين كما شاء وكيف شاء ، كما بيّنا طرفا من ذلك في رسالة مسقط النّطفة ، وكلّ هذه الأسباب والعلل عناية من الباري الحكيم ، جلّ ثناؤه ، لبقاء أشخاصها ودوام نسلها زمانا طويلا أطول ما يمكن ويتهيّأ في ذلك النوع من الحيوان . تبارك اللّه أحسن الخالقين وأحكم الحاكمين وأرحم الراحمين .

فصل

وأما السّباع الآكلة اللّحمان فإن خلقتها وطباعها وتركيب بعض أعضائها الظاهرة والباطنة ، وأمزجتها وشهواتها مخالفة لما عليه الحيوانات الآكلة العشب ؛ وذلك أن الباري لما خلقها وجعل غذاءها من أكل اللحمان ومادّة أبدانها من جثّة الحيوانات ، جعل لها أنيابا صلابا ، ومخالب مقوّسة قويّة ، وزندات « 1 » متينة ، ووثبات خفيفة ، وقفزات بعيدة شديدة تستعين بها على قبض الحيوانات وضبطها ، وخرق جلودها ، وشقّ أجوافها ، وكسر عظامها ، ونهش لحومها من غير رحمة لها ، ولا شفقة عليها . وقد تحيّر أكثر العقلاء وتاه أكثر العلماء والفلاسفة الحكماء من المحققين بفكرتهم في هذا ، وبحثهم عن عللها ، وما وجه الحكمة والصواب في هذا ،
هامش
( 1 ) زندات : أرادوا بها جمع زند ، وهو غريب ، ولعلهم أخذوا الزندة بمعنى الزند ، فجمعوها على زندات .