تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 194

مساهمون:

ص١٩٤
ولا كرشا ، ولا مثانة ، ولا خرزات الظهر ، ولا جلدا ثخينا ، ولا على أبدانها شعرا ولا صوفا ولا وبرا ، بل جعل بدل ذلك ريشا لباسا لها ودثارا من الحر والبرد ، وغطاء ووطاء ووقاية من الآفات العارضة ، ويعينها على النهوض والطيران ، وبدل الأسنان منقارا ، وبدل المعدة حوصلة ، وبدل الكرش قانصة ؛ وعلى هذا القياس بدل كلّ عضو عدم منه ، عضوا آخر مشاكلا لأبدانها ، ومناسبا لأجسادها بحسب مآربها ومنافعها ودفع المضارّ عنها ، كلّ ذلك أسباب وعلل لبقاء أشخاصها ودوام نسلها مدّة ما أطول ما يمكن في طبائعها وجبلتها . وأما أجناس الحيوانات البرّية الآكلة منها العشب ، فإن الباري الحكيم جعل لها أفواها واسعة تتمكّن من القبض على الحشيش والكلإ في الرّعي ، وجعل لها أسنانا حدادا تقطع بها ، وأضراسا صلابا تطحن بها الصّلب من العشب والحبّ والورق والقشر والنّوى ، وجعل لها مريئا واسعا زلقا تزدرد به ما تمضغه ، وكروشا واسعة محمّلة تملأها وتحمل فيها زادها ، فإذا اكتفت رجعت إلى أماكنها ومرابطها وبركت واستراحت . ومنها ما تجترّ وتسترجع ما بلعته ، وتطحنه ثانية ، وتبلغ وتزدرد إلى مواضع أخر من كروشها ، خلقتها غير خلقة الأولى ، متهيئة لطبخ الحرارة الغريزية لها ، والتمكّن من نضجها لكيما تستمرئ بها الطبيعية وتميّز ثقلها من لطيفها ، وتدفع الثّقل إلى الأمعاء والمصارين ، ويخرج من الثّقب والمواضع المعدّة لذلك ، وتردّ اللطيف الصافي إلى الكبد لتطبخها ثانية ، وتصفّيها وتفيض أخلاطها على الأوعية المعدّة لقبولها ، مثل الطّحال والمرارة والقلب والكليتين والعروق المجوّفة التي هي كالأنهار والجداول في أبدانها ، ليجري ذلك الدم الصافي فيها إلى سائر أطراف أجسادها ، وتخلف بدلا عما تحلّل من أبدانها ، إذ كانت أجساد الحيوانات كلّها في الذوبان والسيلان من أسباب داخلة ومن أسباب خارجة .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 194 | إخوان الصفاء