كل عمل وخلق مذموم قد اعتاده من الصّبا ، ويكتسب أضداده من الأخلاق الجميلة الحميدة ، ويعمل عملا صالحا ، ويتعلّم علوما حقيقية ، ويعتقد آراء صحيحة ، حتى يكون إنسان خير فاضلا وتصير نفسه ملكا بالقوّة . فإذا فارقت جسدها عند الموت صارت ملكا بالفعل وعرج بها إلى ملكوت السماء ودخلت في زمرة الملائكة ، ولقيت ربها بالتحية والسلام ، كما ذكر اللّه ، جلّ ثناؤه : «
تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ
» وقال تعالى : «
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ : سَلامٌ عَلَيْكُمْ ، ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ
» وقال تعالى :
«
لا خَوْفٌ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ
» وقال : «
ادْخُلُوا الْجَنَّةَ
الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ
» وآيات كثيرة من القرآن في هذا المعنى .
وإذ قد ذكرنا طرفا من كيفيّة أصول الأشجار وثمارها وأوراقها ذكرا مجملا ، فنريد أن نذكر أيضا طرفا من علل فنون تركيبها والأسباب التي من أجلها وجب أن تكون كذلك ، ليتبيّن ما الغرض منها والعناية الربّانيّة بها والحكمة الإلهية فيها ، لتكون دليلا وقياسا على غيرها ، مما لا يعلم أحد كنه غاياتها إلّا اللّه الذي خلقها وصوّرها وأنشأها وأتمّها لبلوغ غاياتها وتمام نهاياتها .
فمن ذلك شجرة النّخيل فإنها كثيرة العروق دقيقتها ، بطيئة النّشوء ، طويلة العمر ، منتصبة الارتفاع ، مستديرة الأصل ، مسدّسة مخارج السّعف ، مستطيلة الأوراق ، مزدوجة مقابل رخو الجرم « 1 » ، متخلخلة تركيب الجسم ، محشوّ خللها بزئبر رخو ملتفّ حوله ، على أصول سعفه ليفات منسوجة ، موازية طبقات ثلاث .
وأما علّة كثرة عدد عروق هذه الشجرة فهي لكيما تجذب بها القوة الطبيعية الجاذبة للموادّ الكثيرة ، وذلك لشدة حاجة هذا الجنس من النبات
هامش
( 1 ) لا يخفى ما في هذه الجملة من الاضطراب والغموض .