شخصها من جوف تلك الأنبوبة ، وتبسّط يمنة ويسرة تطلب مادّة يتغذى بها جسمها ، فإذا أحسّت برطوبة ولين انبسطت إليه ، وإذا أحسّت بخشونة أو صلابة انقبضت وغاصت في جوف تلك الأنبوبة حذرا من مؤذ لجسمها ومفسد لهيكلها . وليس لها سمع ولا بصر ولا شمّ ولا ذوق إلّا الحسّ واللمس فقط . وهكذا أكثر الدّيدان التي تتكوّن في الطين وفي قعر البحار وأعماق الأنهار ليس لها سمع ولا بصر ولا ذوق ولا شمّ ، لأن الحكمة الإلهية من مقتضاها أن لا تعطي الحيوان عضوا لا يحتاج إليه في جذب المنفعة ودفع المضرّة ، لأنها لو أعطته ما لا يحتاج إليه لكان وبالا عليه في حفظه وبقائه .
فهذا النوع حيوان نباتيّ لأن جسمه ينبت كما ينبت بعض النبات ، ويقوم على ساقه قائما ، وهو من أجل أن يتحرّك جسمه حركة اختيارية حيوان ، ومن أجل أنه ليست له إلّا حاسّة واحدة فهو أنقص الحيوان رتبة في الحيوانية .
وتلك الحاسة أيضا فقد يشارك بها النبات ، وذلك أن النبات له حسّ اللمس فقط . والدليل على ذلك إرساله بعروقه نحو المواضع النّدية ، وامتناعه من إرسالها نحو الصخور واليبس أيضا ، فإنه متى اتفق منبته في مضيق مال وعدل عنه طالبا للفسحة والسّعة . فإن كان فوقه سقف يمنعه من الذهاب علوا وكان له ثقب من جانب ، مال إلى نحو تلك الناحية ، حتى إذا طال طلع من هناك .
فهذه الأفعال تدلّ على أن له حسّا وتمييزا بمقدار الحاجة . وأمّا حسّ الألم فليس للنبات ، وذلك أنه لم يلق بالحكمة الإلهية أن تجعل للنبات ألما .
ولم تجعل له حيلة الدفع كما جعلت للحيوان ، وذلك أن الحيوان لما جعلت له أن يحسّ بالألم جعلت له أيضا حيلة الدفع إمّا بالفرار والذهاب والهرب ، وإمّا بالتحرّز ، وإمّا بالممانعة . فقد بان بما وصفنا كيفيّة مرتبة الحيوانية مما يلي النبات ، فنريد أن نبيّن كيفية مرتبة الحيوانية مما يلي رتبة الإنسان فنقول :
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 169
مساهمون: إخوان الصفاء
ص١٦٩