فسبحان الخالق الباري القادر القاهر الحكيم العالم الذي خلق الخلائق بقدرته ، وفضّل البعض على بعض برحمته ، وخلق النبات ، مع اختلاف ألوانها وأشكالها وطعومها ومنافعها ، مصلحة ومنفعة لخلقه ، وخلق الحيوانات الخسيسة والشريفة لنظام العالم ومعايش الخلائق بوجدانهم ، تعالى اللّه علوّا كبيرا .
وإذ قد فرغنا من ذكر مراتب الحيوانية مما يلي مراتب الإنسانية ، فينبغي أن نذكر أولا المرتبة الإنسانية مما يلي الحيوانية .
فصل
اعلم يا أخي بأن أوّل مرتبة الإنسانية التي تلي مرتبة الحيوانية هي مرتبة الذين لا يعلمون من الأمور إلّا المحسوسات ، ولا يعرفون من العلوم إلّا الجسمانيّات ، ولا يطلبون إلّا إصلاح الأجساد ، ولا يرغبون إلّا في رتب الدّنيا ، ولا يتمنّون إلّا الخلود فيها ، مع علمهم بأنه لا سبيل لهم إلى ذلك ، ولا يشتهون من اللذات إلّا الأكل والشرب مثل البهائم ، ولا يتنافسون إلّا في الجماع والنّكاح كالخنازير والحمير ، ولا يحرصون إلّا على جمع الذخائر من متاع الحياة الدّنيا ، ويجمعون ما لا يحتاجون إليه كالنمل ، ويحبّون ما لا ينتفعون به كالعقعق « 1 » ، ولا يعرفون من الزينة إلّا أصباغ اللباس كالطواويس ، ويتهارشون على حطام الدّنيا كالكلاب على الجيف . فهؤلاء ، وإن كانت صورهم الجسدانية صورة الإنسان ، فإن أفعال نفوسهم أفعال النفوس الحيوانية والنباتية ، فأعيذك أيها الأخ البار الرحيم أن تكون منهم أو مثلهم ، وإيانا وجميع إخواننا حيث كانوا في البلاد .
وأمّا رتبة الإنسانية التي تلي رتبة الملائكة فهو أن يجتهد الإنسان ويترك
هامش
( 1 ) العقعق : طائر على قدر الحمامة ، ذو لونين أبيض وأسود ، طويل الذنب ، وهو نوع من الغربان ، والعامة تسمية القعق .