تجذبها القوى الطبيعية إلى هناك ، وتميّز الغليظ من اللطيف ، وترسل الليف الرقيق إلى ظاهر جرم التمرة وتجمّده عليها دبسا وشيرجا ، وترسل الغليظ الفحل إلى جرم النواة وتجمّده عليها .
وأما ثمار الجوز واللوز والفستق وأشباهها فتفعل بها الطبيعة مثل هذا التمييز سواء ، ولكنها ترسل الغليظ الفحل إلى ظاهرها ، واللطيف الرقيق إلى باطنها بالعكس مما تفعل في ثمرة التمرة .
وأما ثمرة التين والجمّيز فلم يميّز لطيفها من غليظها ، لأن موادها وكيموسها معتدلان ، وليس بين الأجزاء الأرضيّة والأجزاء المائيّة كثير تفاوت ، فلم تحتج الطبيعة أن تميّزهما وتفصلهما مثل ما فعلت في ثمرة التمرة والجوز وما شاكلها من سائر الثمار ، بل قد ميّزت الطبيعة تلك المادة بأجزاء أخرى ، فجعلت في داخل الثمرة حبوبا صغارا ، وعلى خارجها قشرة رقيقة ظاهرة صائنة لرطوبتها من الغبار والقذى .
وأما كيفيّة تركيب عروق شجرة التين وجرم أصولها وقضبانها وورقها وثمرها فهي على غير تركيب شجرة النخلة ، وذلك أن عروق التين غلاظ ذاهبات تحت الأرض في الجهات ، مستقيما ومعوجّا في عمقها ، وفيها تجويفات مثل ما في جوف القصب ، لكنها أضيق قليلا ، وهكذا تركيب أصول شجر التين وقضبانها وفروعها ، فيها تجويفات لطيفة ، ولها عقد مثل عقد القصب ، وفي تلك التجويفات زئبريّة محشوّة خللها .
وأما سبب تلك التجويفات التي في عروقها وأصولها وقضبانها فهو لكيما يسهل على القوى الطبيعية الجاذبة جذب تلك الموادّ من عمق الأرض ، والتي هي الأجزاء الأرضيّة ورطوبات مائيّة ، إلى أصول أشجارها ، ورفعها من أسافلها إلى أعالي رءوسها وأطراف فروعها ، وجعلت تلك العقد في مواضع تلك التجويفات وحشيت زئبرا لكيما يسهل على القوّة الماسكة إمساك تلك الموادّ هناك لئلا ترجع إلى أسفل بثقلها ، وتبقى هناك تهضمها القوة الهاضمة ،
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 175
مساهمون: إخوان الصفاء
ص١٧٥