إن رتبة الحيوانية مما يلي رتبة الإنسانية ليست من وجه واحد ولكن من عدّة وجوه . وذلك أن رتبة الإنسانية لما كانت معدنا للفضل وينبوعا للمناقب لم يستوعبها نوع واحد من الحيوان ولكن عدّة أنواع ، فمنها ما قارب رتبة الإنسانية بصورة جسده مثل القرد ، ومنها ما قاربها بالأخلاق النفسانية كالفرس في كثير من أخلاقه ، ومنها كالطائر الإنسانيّ أيضا ، ومثل الفيل في ذكائه وكالببّغاء والهزار ونحوهما من الأطيار الكثيرة الأصوات والألحان والنغمات ، ومنها النحل اللطيف الصنائع إلى ما شاكل هذه الأجناس ، وذلك أنه ما من حيوان يستعمله الناس ويأنس بهم إلّا ولنفسه قرب من نفس الإنسانية .
أما القرد فلقرب شكل جسمه من شكل جسد الإنسان صارت نفسه تحاكي أفعال النفس الإنسانية ، وذلك مشاهد منه متعارف بين الناس .
وأمّا الفرس الكريم فإنه قد بلغ من كرم أخلاقه أنه صار مركبا للملوك ، وذلك أنه ربما بلغ من أدبه أنه لا يبول ولا يروث ما دام بحضرة الملك أو حاملا له . وله أيضا مع ذلك ذكاء وإقدام في الهيجاء وصبر على الطعن والجراح ، كما يكون الرجال الشجعان كما وصف الشاعر فقال :
وإذا شكا مهري إليّ جراحه * عند اختلاف الطعن ، قلت له : اقدما « 1 »
لما رآني لست أقبل عذره ، * عضّ الشّكيم على اللجام وحمحما « 2 »
وأما الفيل فإنه يفهم الخطاب بذكائه ، ويمتثل الأمر والنّهي كما يمتثل الرجل العاقل المأمور المنهيّ .
فهذه الحيوانات في آخر مرتبة الحيوان مما يلي رتبة الإنسان لما يظهر فيها من الفضائل الإنسانية . وأما باقي أنواع الحيوانات فهي فيما بين هاتين المرتبتين ،
هامش
( 1 ) اقدم : اسبق ، أو اجترىء على القرن ، وأشجع . وقوله : اقدما ، أي اقدمن ، فقلب نون التوكيد ألفا في حال الوقف .
( 2 ) الشكيم : جمع شكيمة ، وهي الحديدة المعترضة في فم الفرس .