تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
من وراء السّماوات البيت المعمور ، وحوله جموع الملائكة طائفين يحجّون إليه في كل يوم ألوف ألوف ، لا يعودون إليه أبدا ، ويقولون إن هذا البيت الحرام في الأرض بحذاء ذلك البيت المعمور الذي في السماء ، وإن هذه السّنن والمناسك أمثلة وإشارات إلى تلك السّنن والمناسك التي تنسكها الملائكة حول البيت المعمور .

فصل

وإذ قد فرغنا من ذكر ما احتجنا إليه ، فنقول إن قوما من العلماء تكلموا في أحكام النجوم ، فأثبتوا دلائلها على الكائنات ، وأنكروا أفعالها من عالم الكون والفساد ؛ وقوم أثبتوا دلائلها وأفعالها جميعا ، وقوم آخرون أنكروها جميعا . فأما الذين أثبتوا دلائلها ، فعند الاعتبار عرفوها ، ولكن لم ينظروا إلى حقائق الأشياء كيف هي فلم يعرفوها . وأما الذين أنكروا دلائلها وأفعالها ، فلتركهم النظر في هذا العلم . وأما الذين أثبتوا دلائلها وأفعالها فإنما عرفوا ذلك بعد النظر والبحث الشديد والاعتبار والتصفّح لأمور الموجودات شيئا بعد شيء ، حتى أتوا على أواخرها ، ثم نظروا إلى أوائلها ، فرأوا أنها كلّها مربوطة رباطا واحدا عن علّة واحدة ومبدع واحد مثل العدد . ولما كنّا قد قلنا فيها قبل إن هذه الأشياء كلّها مفعولات الطبيعة ، وإن الأشخاص الفلكية كالأدوات لها ، وقوى تلك الأشخاص كالمعاونين للطبيعة ، احتجنا أن نبيّن حقيقتها فنقول : إنّا قد بيّنا معنى قول الحكماء إن العالم إنسان كبير ، له جسم ونفس ، وبيّنّا تركيب جسمه في رسالة السماء والعالم ، فنريد أن نبيّن كيف كان سريان قوى نفسه في الأجسام التي تحت فلك القمر . واعلم يا أخي بأن جسم العالم بأسره بمنزلة جسم إنسان واحد ، وأن جميع أفلاكه وطبقات سماواته وكواكب أفلاكه وأركان طبائعه