تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 140

مساهمون:

ص١٤٠
عيشا هنيّا إلّا بمعاونة أهل مدينة ، وملازمة شريعة ، فهكذا ينبغي لك أن تعتبر لتعلم بأنك محتاج إلى إخوان أصدقاء ، متعاونين لتنجو بشفاعتهم من جهنّم ، وتصعد إلى ملكوت السماء بمعاونتهم وتدخل الجنّة بلا حساب . واعلم يا أخي علما يقينا أنه لو كان يمكن أن تنجو نفس وحدها بمجرّدها ، لما أمر اللّه تعالى بالتعاون حيث قال : «
وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى ، وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
» وقال : «
اصْبِرُوا وَصابِرُوا
» وكذلك قال : «
يَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجاً
» وقال تعالى : «
وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَراً
» . وانظر يا أخي بنور عقلك ، وتفكّر بفهمك ، وقف في مقامك ، وتوجّه نحو البيت ، لعلك تعرف بوقوفك على جبل عرفات ما عرف أهل المعارف الذين أشار إليهم بقوله ، جلّ ثناؤه : «
وَنادى أَصْحابُ الْأَعْرافِ رِجالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيماهُمْ
» يعني بعلاماتهم ، فيزدلف بك معهم إلى المزدلفة « 1 » ، وتبلغ نحو المنى « 2 » المتمنّى ، وهم يطمعون : ادخلوا الجنّة لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون . واعلم يا أخي أن من حجّ البيت بقلب ساه ونفس لاهية ، بلا علم ولا بصيرة ، ورأى تلك المناسك وسننها ولم يعقل معانيها ولا درى ما الغرض منها ، ولا عرف شيئا من أغراضها المقصودة بها ، رجع من هناك بقلب غافل ونفس شاكّة وفكر متحيّر ، لأنه متى رآها ولم يدر معانيها ولا عرف أغراضها تخيّل له عند ذلك أنها كلعب الصبيان من رمي الحصى والسّعي بين الصّفا والمروة والإحرام والتلبية والطّواف والعمرة وما شاكلها من السّنن والفرائض . وعلى هذا القياس لكلّ أمة من أمم الناس في بيوت عباداتهم من سنن مفترضات دياناتهم ، وقرابين هياكل صلواتهم ، أمثلة وأشائر ومرام
هامش
( 1 ) المزدلفة : موضع بين عرفات ومنى ، وقيل لها ذلك لأنه يزدلف فيها إلى اللّه ، أي يتقرّب اليه في أيام الحج ، أو لاقتراب الناس إلى منى بعد الإفاضة ، أي بعد الخروج من عرفات . ( 2 ) المنى : أي منى ، وهو موضع بمكة ويغلب عليه التذكير .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 140 | إخوان الصفاء