تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 128

مساهمون:

ص١٢٨
واعلم أن طائفة من المجادلة أنكرت أفعال الطبيعة لمّا جهلت ماهيّة الطبيعة نفسها ، ولم تدر أنها ملك من ملائكة اللّه تعالى الموكّلين بتدبير عالمه وإصلاح خلائقه فنسبت كلّ أفعال الطبيعة إلى الباري ، جلّ ثناؤه ، حسنة كانت أو سيئة ، خيرا كانت أو شرّا . وفيهم من نسب ما كان حسنا إلى الباري ، وما كان قبيحا نسبه إلى غيره ؛ ثم اختلفوا في الغير من هو ، فمنهم من نسب تلك الأفعال إلى الطبيعة إلى التولّد ، ومنهم من نسبها إلى النجوم ، ومنهم من نسبها إلى البخت والاتفاق ، ومنهم من نسبها إلى جريان العادة ، ومنهم من نسبها إلى الشياطين ، ولا يدري ما الشياطين . وكلّ هذه الأقاويل قالوها لجهلهم ماهيّة الطبيعة وقلّة معرفتهم بأفعالها وأفعال ملائكة اللّه الموكّلين بحفظ عالمه وإدارة أفلاكه ، وتسيير كواكبه ، وتوليد حيواناته ، وتربية نبات أرضه ، وتكوين معادنها . واعلم يا أخي أن الباري ، جلّ ثناؤه ، لا يباشر الأجسام بنفسه ، ولا يتولّى الأفعال بذاته ، بل يأمر ملائكته الموكّلين وعباده المؤيّدين ، فيفعلون ما يؤمرون كما يأمر الملوك الذين هم خلفاء اللّه في أرضه عبيدهم وخدمهم ورعيّتهم ، لا يتولّون الأفعال بأنفسهم ، شرفا وإجلالا ، كذلك يأمر سبحانه أو يريد أو يشاء أو يقول : كن ، فيكون ما أراد بأمره وإرادته ومشيئته واختراعه وإبداعه وإنشائه وإيجاده وإحداثه الهيولى الأولى والخلق الأول ، كما ذكر بقوله تعالى : «
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ ، أَنْ نَقُولَ لَهُ : كُنْ ، فَيَكُونُ
» وقوله تعالى : «
وَما أَمْرُنا إِلَّا واحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ
» وقوله تعالى : «
ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ
» . واعلم يا أخي أن هذه الصنائع والأفعال التي تجري على أيدي عباده ، إذا نسبت إلى الباري ، جلّ جلاله ، فإن نسبتها على مثل نسبة أفعال الملوك ، إذا قيل : بنى فلان الملك مدينة كذا ، وحفر نهر كذا ، وعمر بلد كذا ، كما يقال بنى الإسكندر الروميّ سدّ يأجوج ومأجوج ، وبنى سليمان بن داود ، عليه
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 128 | إخوان الصفاء