فصل
إن طائفة من المجادلة لمّا لم يعرفوا ما الطبيعة ، نسبت أفعالها كلّها إلى الباري ، جلّ جلاله ، ووقعت بذلك في شبهة عظيمة وحيرة وشكوك ، وذلك لما تبيّن لهم بأن الفعل لا يكون إلّا من فاعل ، وشاهدوا أفعالا لم يروا فاعلها نسبوها إلى الباري ، جلّ ثناؤه ، ونظروا فيها وبحثوا عنها ، فوجدوا بعضها شرورا وفسادا مثل موت الأطفال ومصائب الأخيار وتسليط الأشرار وتلف الحيوانات وما يلحقها من الأمراض والأوجاع والجهل والبلوى ، كرهوا أن ينسبوا ذلك إلى الباري ، عزّ وجل ، فنسبوها إلى التّولّد بزعمهم ، ومنهمه من نسبها إلى البخت والاتفاق ، ومنهم من نسبها إلى النجوم ، ومنهم من نسبها إلى الباري تعالى ، وقال بالمكافأة والمجازاة ، ومنهم من قال بالعرض وسابق النظر ، ومنهم من قال بالأصلح واللطف ، وأقاويل أخرى يطول شرحها من التعديل والتجويز ، فطوّلوا الخطب فيها ، وقد بيّنّا طرفا من أقاويلهم في رسالة الآراء والمذاهب والديانات فاعرفه من هناك إن شاء اللّه تعالى . ونحن قد بيّنّا أن هذه كلها أفعال الأنفس الجزئية التي هي كلها قوى النفس الكلّيّة الفلكية كما أنشأها باريها ، عزّ وجل ، كما ذكر بقوله تعالى :
«
ما خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ واحِدَةٍ
. » فما كان من هذه الأفعال خيرا نسب إلى النفس الجزئيّة الخيريّة ، وما كان منها شرّا نسب إلى الأنفس الشريرة ، وعليها تقع المجازاة والمكافأة عن الثواب والعقاب .
واعلم يا أخي أن نفسك هي إحدى النّفوس الجزئية ، وهي قوّة من قوى النفس الكليّة والفلكية ، لا هي بعينها ولا منفصلة منها ، كما أن جسدك جزء من أجزاء جسم العالم ، لا هو كله ولا منفصل منه ، فانظر الآن كيف أعمالك وأفعالك وأخلاقك وآراؤك ومعارفك ، فبحسب ذلك يكون جزاؤك ومكافأتك ، كما قال النبي ، صلى اللّه عليه وسلم : إنما هي أعمالكم تردّ إليكم .