أجل أنه ليس فيه أجزاء ترابية مظلمة ، بل كلّها أجزاء مائية قد غلظت وصفت ونضجت وجمدت ويبست ، فلا تقدر النار على تفريق أجزائها لشدّة اتحادها ويبسها . وأما سرعة ذوبان بعض الأجسام واحتراقها ، مثل الرصاص والأسرب ، فهو من أجل أن الأجزاء المائيّة والهوائيّة غير متّحدة بالأجزاء الترابية . وأمّا سوادها فمن أجل أنها غير نضجة وثقلها من أجل كثرة الأجزاء الأرضية فيها ، واللّه أعلم .
فصل
واعلم يا أخي أن لهذه الجواهر خواصّ كثيرة ، وطباعها مختلفة : فمنها متضادّة متنافرة ، ومنها متشاكلة متآلفة ، ولها تأثيرات بعضها في بعض ، إمّا جذبا أو إمساكا أو دفعا أو نفورا . ولها أيضا شعور خفيّ وحسّ لطيف كما للنبات والحيوان ، إمّا شوقا ومحبة ، وإمّا بغضا وعداوة ، لا يعلم كنه عللها إلا اللّه تعالى . والدليل على صحة ما قلنا وحقيقة ما وصفنا ، قول الحكماء في كتاب الأحجار ونعتهم لها أن طبيعة تألف طبيعة ، وطبيعة تناسب طبيعة أخرى ، وطبيعة تلصق بطبيعة ، وطبيعة تأنس بطبيعة ، وطبيعة تقهر طبيعة ، وطبيعة تقوى على طبيعة ، وطبيعة تضعف عن طبيعة ، وطبيعة تلهب طبيعة ، وطبيعة تحبّ طبيعة ، وطبيعة تطيب مع طبيعة ، وطبيعة تفسد مع طبيعة ، وطبيعة تبيّض طبيعة ، وطبيعة تحمّر طبيعة ، وطبيعة تهرب من طبيعة ، وطبيعة تبغض طبيعة ، وطبيعة تمازج طبيعة .
فأما الطبيعة التي تألف طبيعة أخرى فمثل الألماس والذهب ، فإنه إذا قرب من الذهب التصق به وأمسكه . ويقال إن الألماس لا يوجد إلا في معدن الذهب ، وفي واد من ناحية المشرق ؛ ومثل طبيعة حجر المغناطيس