تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩

فصل

واعلم يا أخي أن النار هي كالقاضي بين الجواهر المعدنيّة ، المتحكّم فيها كلّها والمفرّق بينها وبين ما كان من غير جنسها ، فأشرفها هي التي لا تقدر النار على أن تفرّق بين أجزائها ، مثل الذهب والياقوت ، وذلك لشدّة اتحاد أجزائها بعضها ببعض ، فإنه ليس بين خلل أجزائها رطوبة . وأما احتراق بعض الجواهر المعدنية ، وأكل النار لها ، وسرعة اشتعالها فيها ، كالكبريت والزّرنيخ والقير « 1 » والنّفط وما شاكلها من المعدنيات ، فهي من الأجزاء الهوائية الدّهنية المتعلقة بالأجزاء الترابية ، غير متّحدة بها ، والأجزاء المائية قليلة معها ، وهي غير نضجة أيضا ولا متحدة بها ، فإذا أصابتها حرارة النار ذابت بسرعة ، وتحلّلت وصارت دخانا وبخارا ، وفارقت الأجزاء الترابيّة ، وارتفعت في الهواء ، واختلطت به ، وتفرّقت بين أجزاء الهواء . وأما إذا قيل : ما العلة في أن الذهب يذوب ولا يحترق ، والياقوت لا يذوب ولا يحترق ، فنقول : إن علة ذوبان الذهب هي من الرطوبة الدّهنيّة المتحدة بالأجزاء الترابيّة ، فإذا أصابتها حرارة النار ذابت ولانت الأجزاء الأرضية التي معها ، وأما ما لم يحترق فمن أجل الأجزاء المائية المتّحدة بالأجزاء الترابية والهوائية ، فإنها تقابل النار وتدفع عن جسدها الترابي وهج النار ببردها ورطوبتها ، فإذا خرجت من النار جمدت تلك الأجزاء الهوائية الدّهنيّة ، وغلظت الأجزاء المائية وانعقدت ، وصارت الأجزاء الأرضيّة كما كانت ؛ وعلى هذا القياس سائر الأجسام الترابية . وأما الياقوت فلأنه أجزاء مائية غلظت وصفت بطول الوقوف بين الصخور ، وأنضجت بدوام طبخ حرارة المعدن لها ، واتحدت أجزاؤها ويبست ، فصارت لا تذوب بالنار ، لأنه ليس فيها رطوبة دهنيّة . وأما علّة صفائه فمن
هامش
( 1 ) القير : الزفت .