ذلك ، ودخلت الدار ، فإذا بثلاثين رجلا بالسلاح ، وهم جلوس على بارية ، فلم أشكّ في أنهم لصوص ، وأيقنت بالشرّ .
وبادرني أحدهم ، فلطمني ، وقال : انزع ثيابك ، فطرحت كلّ ما كان عليّ ، حتى بقيت بسراويل ، فحلّوا الدراهم التي كانت في منديلي ، وأعطوا مقبلا شيئا منها « 4 » ، وقالوا : إمض فهات لنا بهذا ما نأكله ونشربه .
فتقدّم مقبل ، وسارّ واحدا منهم ، فقال له مجيبا : وأي شيء يفوتنا من قتله ، إمض فجئنا بما نأكله ، فإنّا جياع .
فلمّا سمعت ذلك كدت أموت جزعا ، فقال لهم الغلام ، مظهرا للكلام :
ما أمضي أو تقتلوه .
فقلت لهم : يا قوم ، ما ذنبي حتى أقتل ، قد أخذتم ما معي ، ولستم ترثوني إذا قتلتموني ، ولا لي حال غير ما أخذتموه ، فاللّه اللّه فيّ .
ثم أقبلت أستعطف مقبلا ، وهو لا يجيبني ، ويقول لهم : إنّكم إن لم تقتلوه ، حتى يفلت ، دلّ السلطان عليكم ، فتقتلون كلّكم .
قال : فوثب إليّ أحدهم بسيف مسلول ، وسحبني من الموضع الذي كنت فيه إلى البالوعة « 5 » ليذبحني .
وكان بقربي غلام أمرد ، فتعلّقت به ، وقلت : يا فتى ارحمني ، وأجرني ، فإنّ سنّك قريب من سنّي ، واستدفع البلاء من اللّه تعالى بخلاصي .
فوثب الغلام ، وطرح نفسه عليّ ، وقال : واللّه لا يقتل وأنا حيّ ، وجرّد سيفه .
وقام أستاذه بقيامه ، وقال : لا يقتل من أجاره غلامي .
هامش
( 4 ) في كتاب نشوار المحاضرة وأخبار المذاكرة للقاضي التنوخي ، رقم القصّة 5 / 132 أنّهم أخذوا من المنديل ثلاثين درهما وأعطوها لمقبل ليشتري لهم بها طعاما .
( 5 ) في غ : البلّاعة ، والبلّاعة والبالوعة بمعنى واحد ، وهي حفرة في وسط الدار ينزل إليها الماء الوسخ والأقذار .
وعامّة بغداد يسمّونها الآن : بلّوعة ، بتشديد اللّام ، ويجمعونها على : بلاليع .