من تحت الأرض منهم من يقتلني ، وزاد عليّ الفزع ، فأقبلت أمشي في الدار ، وأدعو ، وأسبّح ، إلى أن كدت أتلف إعياء .
وأنست باستمرار الوقت على السلامة ، وحملتني عيني ، فنمت ، فلم أحسّ إلّا بالشمس وحرارتها ، على وجهي ، من باب البيت .
فقمت ، وخرجت أمشي وأنا عريان بسراويلي ، إلى أن حصلت في الموضع الذي كنت أسكنه .
وما حدّثت أحدا بهذا الحديث مدّة ، لبقيّة الفزع الذي داخلني منهم في قلبي .
ثم بعد انقضاء سنة ، أو قريب منها ، كنت يوما عند صاحب الشرطة بنصيبين ، لصداقة كانت بينه وبين أبي ، فما لبث أن حضر من عرّفه عثور الطوف « 8 » على جماعة من اللصوص ، بقرية سمّاها ، من قرى نصيبين ، وقبضه على سبعة نفر منهم ، وفوت الباقين ، فأمر بإحضارهم .
فوقع بصري منهم على ذلك الغلام الذي أجارني ذلك اليوم ، وعلى أستاذه ، ثم على مقبل .
فحين رأيتهم أخذتني رعدة تبيّنت فيّ ، وأخذ مقبل - من بينهم - مثل ما أخذني .
فقال لي صاحب الشرطة : ما لك ؟
فقلت : إنّ حديثي طويل ، ولعلّ اللّه تعالى ، أراد بحضوري هذا المجلس ، سعادة نفر ، وشقاوة نفر .
فقال : هات .
فأقتصصت عليه قصّتي مع القوم إلى آخرها ، فتعجّب ، وقال : هلّا شرحتها لي فيما قبل ، حتى كنت أطلبهم ، وأنتصف لك منهم .
هامش
( 8 ) الطوف ، وجمعه أطواف : العسس ، أي الذين يطوفون بالليل يحرسون الناس .