تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الفرج بعد الشدة — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤

العذاب

العذاب ، في اللغة : النكال ، وكلّ ما شقّ على الإنسان ، وصعب عليه تحمّله ، جثمانيّا كان أو نفسانيّا ، ولم يكن العذاب معروفا في صدر الإسلام ، فإنّ الإسلام جاء بالسلام والمودّة ، والعطف والرحمة ، وشعاره : أن لا إكراه في الدين ، واختصر نبيّ الإسلام عليه السلام جميع ما قام به في كلمة واحدة ، قال : بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق ، وكانت وصيّته لكل سريّة يبعث بها إلى الحرب : لا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثّلوا ، ولا تقتلوا امرأة ، ولا وليدا ( العقد الفريد 1 / 128 ) ، وخلفه أبو بكر الصدّيق ، فكانت وصيّته : لا تخونوا ، ولا تغلوا ، ولا تغدروا ، ولا تمثّلوا ، ولا تقتلوا طفلا صغيرا ، ولا شيخا كبيرا ، ولا امرأة ، ولا تعقروا نخلا ، ولا تحرقوه ، ولا تقطعوا شجرة مثمرة ، ولا تذبحوا شاة ، ولا بقرة ، ولا بعيرا ، إلّا لمأكلة ، وسوف تمرّون بقوم قد فرغوا أنفسهم في الصوامع ( يريد الرهبان ) ، فدعوهم وما فرغوا أنفسهم له ( الطبري 3 / 227 ) ، وجيء له مرّة ، برأس أحد القتلى في إحدى المعارك ، فغضب ، وقال : هذا من أخلاق العجم ، ومنعهم من تكرار ذلك ، إذ اعتبر أن قطع الرأس من جملة المثلة المنهي عنها ، ولمّا اغتال عبد الرحمن بن ملجم ، الإمام علي بن أبي طالب ، أوصى ولده الحسن ، وهو يودّع الحياة ، وقال في آخر وصيّته ، وأمّا عبد الرحمن ، فإن عشت فسأرى فيه رأيي ، وإن متّ ، فضربة بضربة ، ولا يمثلنّ بالرجل ، فإنّي سمعت رسول اللّه يقول : إيّاكم والمثلة ، ولو بالكلب العقور ( الطبري 5 / 148 وابن الأثير 3 / 391 ) ، ولمّا قتل علي بن أبي طالب ، وتغلّب معاوية بن أبي سفيان على السلطة ، تغيّر الأمر عمّا كان عليه في عهد الخلفاء الراشدين وأخذ معاوية يحاسب أصحاب علي ، على تصرفاتهم السابقة ، ويطالبهم بالبراءة من علي ، فإن لم يبرأوا ، جرّد لهم السيف ، وأعدّ لهم أكفانهم ، وحفر لهم قبورهم ، وقتلهم أمام قبورهم المحفورة ، وأكفانهم المنشورة ( العقد الفريد 3 / 234 ) ، ومما صنعه ، أنّه بعد أن استتبّ له الأمر ، تتّبع من كان من أنصار علي ، ففرّ منه عمرو بن الحمق الخزاعي ، فأذكى عليه العيون والأرصاد ، واعتقل امرأته ، وحبسها في سجن بدمشق ، ثم أمسك بعمرو ، فقتله ، وقطع رأسه ، وأمر أحد